منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

سادن الممر.. السودان في معمعة “حرس الموج” د. إسماعيل الحكيم 

0

 

سادن الممر.. السودان في معمعة “حرس الموج”

 

د. إسماعيل الحكيم

 

الجغرافيا لم تكن يوماً مجانيّة؛ إنها إما أن تكون درعاً تُقاتل به، أو مكبلات تُساق بها إلى صراعات غيرك. وعلى هذا الساحل الممتد كحدّ السيف على طول ثمانيمائة وخمسين كيلومتراً من الملح والرياح، يجد السودان نفسه اليوم رغماً عنه أو باختياره، متلبساً بجريمة موقعه الاستراتيجي والجيوسياسي !

ففي لحظة تاريخية شديدة الحساسية—حيث يرتفع ضجيج المواجهة الأمريكية الإيرانية وتتحول الممرات المائية من شرايين للتجارة إلى ساحات لتصفية الحسابات—جاء الإعلان عن التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بوجود أربعة عشر لاعباً، تُمسك أطراف اللعبة فيه قوى بحجم تركيا، وباكستان، والسعودية، ومصر، ليضع الخرطوم في قلب المعادلة: هل هو استحقاق السيادة أم مجرد الانخراط في مقامرة الكبار؟

إن النظرة السطحية لهذا الحلف قد تراه ترتيبات أمنية لحماية تدفق التجارة عبر باب المندب وخليج عدن فقط ، لكن العمق الجيوسياسي يكشف عن مشروع لإعادة توزيع أعباء الحراسة وتأسيس ردع جماعي يوقف التهديدات العابرة للحدود، ويضع حداً للأطماع الحديثة التي ترتدي مسوح تأمين الملاحة . وهنا تحديداً تبرز المفارقة السودانية؛ فالمشاركة تعني بالضرورة توجيه رسالة مفادها أن السودان ليس شاطئاً مهملاً في البحر الأحمر، إنما هو سادن الممر وشرط أساسي في معادلة الأمن الإقليمي.

إن هذا التموضع يمنح الخرطوم مكتسبات لا يمكن إنكار حدتها؛ فهو ينزع عنها عزلتها، ويُجبر الأقطاب الإقليمية على التعاطي معها كشريك أمني لا غنى عنه، إلى جانب ما يوفره الحلف من فرص لتحديث القدرات البحرية المشروخة، وتوزيع تكلفة الحماية الباهظة على كاهل أربعة عشر حليفاً. وأكثر من ذلك، فإن استقرار هذا الشريط هو جواز السفر الوحيد لتحويل الموانئ السودانية من مجرد أرصفة متهالكة إلى مراكز لوجستية تُغري رأس المال العالمي.

غير أن الوجه الآخر لهذه العملة الاستراتيجية يحمل صداءً خطيراً لا يجوز التغاضي عنه. فالدخول في حلف عسكري بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت الملتهب بالذات، هو سيرٌ في حقل ألغام؛ إذ يضع السودان مباشرة في مرمى الاستقطاب الحاد، وربما يحوله إلى هدف مشروع لأطراف ترى في هذا التحالف موقفاً ضدها. إن الخط الفاصل بين تقاسم المسؤوليات وارتهان القرار الوطني خط وهمي رفيع، وأي اندفاع غير محسوب قد يحول السواحل السودانية إلى منصة لخدمة أجندات إقليمية لا تخدم بالضرورة الأمن القومي الداخلي المنهك أساساً.

في النهاية، لا يملك السودان رفاهية الاختباء خلف البحر، فالأمواج التي تضرب سواحله تحمل معها قرارات السلم والحرب. إن هذا التحالف ليس نزهة بحرية ولا صك غفران أمني، لكنه امتحان عسير للذكاء السيادي: فكيف تستغل الخرطوم قوة الحلفاء لترميم جدارها الأمني والاقتصادي، دون أن تُستدرج لكونها مجرد حارس شاطئ في معركة لا تملك مفاتيح نصرها؟ الحقيقة العارية هي أن الجغرافيا منحت السودان القوة، لكن الدبلوماسية وحدها هي من سيحدد ما إذا كان هذا الحلف درعاً يمتص الضربات، أم مغناطيساً يجلب الكوارث!

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.