منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

مدرسة الإعلام المعاصر إبراهيم شقلاوي… حين يصبح القلم وجها للحقيقة ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

مدرسة الإعلام المعاصر

إبراهيم شقلاوي… حين يصبح القلم وجها للحقيقة

✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

في دنيا الإعلام، لا تصنع القامات بكثرة الظهور، ولا تمنح المكانة بضجيج المنابر، ولا تقاس قيمة الكاتب بعدد ما ينشره من كلمات، وإنما تصنعها المواقف، وتصقلها التجارب، وتثبتها الكلمة الصادقة حين تتحول إلى مسؤولية، والرؤية الواعية حين تصبح رسالة في خدمة الإنسان والوطن.
وثمة رجال لا تحتاج إلى أن تلتقيهم حتى تعرف قدرهم، لأن أقلامهم تسبقهم إلى العقول والقلوب، وتقدمهم إلى الناس بما تحمله من وعي ورصانة ونبل مقصد. وقد يختصر القلم مسافات اللقاء، ويكشف من شخصية صاحبه ما لا تكشفه المجالس العابرة؛ لأن الكلمة الصادقة مرآة للكاتب، والموقف الواضح شاهد على معدنه.
ومن بين هذه القامات يبرز الأستاذ إبراهيم شقلاوي، كاتب عمود «وجه الحقيقة»، اسما إعلاميا له حضوره الهادئ، وقلمه الرصين، وطريقته المميزة في قراءة الأحداث وتفكيك القضايا والاقتراب من جوهرها، بعيدا عن ضجيج المزايدات وسطحية التناول.
لم ألتق الأستاذ إبراهيم شقلاوي حتى تاريخه، ولم أتشرف بالحديث معه مباشرة، ولم تجمعني به معرفة شخصية أو مناسبة عابرة، غير أنني ظللت أتابع باهتمام ما يخطه قلمه، وأقف عند كثير مما يطرحه من أفكار وتحليلات ومواقف. ومن خلال هذه المتابعة تكونت لدي قناعة بأننا أمام كاتب لا يكتب لمجرد الحضور، ولا يلاحق الأحداث ليكون جزءا من ضوضائها، وإنما يتعامل مع الكلمة بوصفها أمانة فكرية ووطنية.
إن بعض الناس تعرفهم من أحاديثهم، وبعضهم تعرفهم من مواقفهم، وبعضهم يقدمهم قلمهم إلى الناس قبل أن تقدمهم المجالس. والأستاذ إبراهيم شقلاوي من أولئك الذين تستطيع أن تستدل على ملامح تجربتهم من خلال كتاباتهم؛ إذ تبدو في قلمه سعة الاطلاع، وهدوء الرؤية، والقدرة على التمييز بين جوهر القضية وهوامشها، وبين ما يستحق الوقوف عنده وما لا يتجاوز ضجيج اللحظة.
وعندما نتحدث عن «وجه الحقيقة»، فإننا لا نتحدث عن مجرد اسم لعمود صحفي، بل عن معنى يتصل بجوهر رسالة الإعلام. فالحقيقة في زمن الشائعات والتضليل لا يكفي أن تكون موجودة، بل تحتاج إلى من يبحث عنها، ويكشف وجوهها، ويضعها أمام القارئ في سياقها الصحيح، دون تهويل أو انتقاص، ودون أن تتحول الكلمة إلى أداة للخصومة أو تصفية الحسابات.
ومن هنا تبدو قيمة الكاتب الذي يدرك أن الإعلام ليس مجرد نقل للخبر، بل تفسير للسياق، وكشف لما وراء الوقائع، ومساعدة للقارئ على الفهم. فالأخبار متاحة للجميع، لكن القدرة على قراءتها، وربط مقدماتها بنتائجها، واستخلاص دلالاتها، هي ما يميز الكاتب صاحب الرؤية عن ناقل المعلومة.
ويبدو الأستاذ إبراهيم شقلاوي، من خلال ما يكتبه، منحازا إلى هذا الفهم العميق للمهنة؛ فالكلمة عنده ليست زينة لغوية، ولا وسيلة للبحث عن التصفيق، وإنما مسؤولية لها أثرها في تشكيل الوعي العام. وهو يدرك أن الكاتب حين يضع اسمه أسفل مقاله، فإنه لا يوقع حروفا فقط، بل يضع جزءا من تاريخه المهني وصدقيته أمام القارئ.
ولعل من أهم ما يميز أسلوبه قدرته على الجمع بين وضوح العبارة وعمق الفكرة. فهو لا يلجأ إلى التعقيد الذي يحجب المعنى، ولا ينحدر إلى التبسيط المخل الذي يفرغ القضية من مضمونها، وإنما يكتب بلغة تصل إلى القارئ، وتحترم عقله، وتدفعه إلى التفكير والتأمل.
وهذه واحدة من خصائص الإعلامي الحقيقي: أن يبسط دون أن يبتذل، وأن يعمق دون أن يتعالى، وأن يخاطب الناس بلغة قريبة منهم، مع المحافظة على هيبة الفكرة ووقار الكلمة.
إن الإعلامي الكبير ليس هو الأكثر صخبا، وإنما الأكثر قدرة على أن يقول الكلمة في موضعها. وليس هو الذي يركض خلف كل حدث، بل الذي يعرف أي الأحداث تستحق التوقف، وكيف تقرأ، وما الأسئلة التي ينبغي أن تطرح حولها. وليس هو من يقدم الأحكام الجاهزة، بل من يساعد القارئ على الوصول إلى الفهم.
وفي زمن اختلطت فيه الصحافة المهنية بمنشورات المنصات، وامتزج الخبر بالشائعة، والتحليل بالدعاية، والرأي بالإساءة، تزداد الحاجة إلى الأقلام التي تحافظ على التوازن، وتدرك الفاصل بين حرية التعبير والفوضى، وبين النقد المسؤول والتجريح، وبين الاختلاف المشروع والخصومة مع الآخرين.
فليس كل من كتب أصبح صحفيا، وليس كل من امتلك منصة صار إعلاميا، وليس كل من جمع المتابعين أصبح صاحب رسالة. فالإعلام الحقيقي يحتاج إلى علم وثقافة وتجربة وضمير، ويحتاج قبل ذلك إلى إحساس عميق بالمسؤولية تجاه المجتمع.
ومن يتابع كتابات الأستاذ إبراهيم شقلاوي يشعر بأن الوطن حاضر في قلمه، لا بوصفه شعارا للاستهلاك، وإنما بوصفه قيمة عليا ومرجعية للموقف. فالوطن عند أصحاب الرسالات ليس كلمة تكتب في المناسبات، بل ميزان تقاس به الآراء، وبوصلة تحدد اتجاه المواقف.
والكاتب الوطني لا يعني من يوافق السلطة في كل شيء، ولا من يعارضها في كل شيء، بل من ينحاز إلى مصلحة البلاد، ويقول رأيه بصدق، وينتقد بقصد الإصلاح، ويرفض أن تتحول الكلمة إلى معول هدم أو وقود للفتنة.
وتتعاظم مسؤولية الإعلام في أوقات الأزمات، لأن المجتمعات المضطربة تكون أكثر عرضة للشائعات والتضليل والانقسام. وفي مثل هذه الظروف، يصبح القلم المسؤول جزءا من حماية المجتمع، حين يضع الحقيقة فوق المصالح، ويقدم المعلومة قبل الانفعال، ويمنع الخلاف من أن يتحول إلى كراهية، والنقد من أن ينحدر إلى إساءة، والتباين السياسي من أن يصبح عداء للوطن.
إن الإعلامي في أوقات الأزمات لا يحمل سلاحا، لكنه يحمل كلمة قد تهدئ النفوس أو تشعلها، وقد تجمع الناس أو تفرقهم، وقد تفتح طريقا للفهم أو تغلقه. ومن هنا فإن الكتابة ليست فعلا محايدا، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والشجاعة والاتزان.
والأستاذ إبراهيم شقلاوي، في تقديري، ينتمي إلى مدرسة إعلامية تؤمن بأن الصحافة موقف، وأن الكاتب شاهد على عصره، وأن الحقيقة لا تحتاج إلى الصراخ بقدر حاجتها إلى وضوح الحجة وقوة المنطق.
إنه من أولئك الذين يصنعون حضورهم من خلال القيمة، لا من خلال الضوضاء، ويكسبون احترام القارئ بما يقدمونه من فكرة، لا بما يحيطون أنفسهم به من بريق. ومثل هذه الأقلام لا تنتهي بانتهاء الحدث، لأن الكتابة الجيدة لا تعيش بعمر الخبر وحده، بل تبقى بما تحمله من معنى ورؤية.
والأمم لا تبنى بالسياسيين والعسكريين والاقتصاديين وحدهم، بل يبنيها كذلك أصحاب الأقلام الذين يحفظون ذاكرتها، ويوثقون أحداثها، وينبهون إلى أخطائها، ويدافعون عن حق شعبها في المعرفة. فالإعلام ذاكرة وطن، والكاتب الأمين شاهد لا يجوز له أن يحرف شهادته أو يبيعها في سوق المصالح.
ومن هنا، فإن تكريم القامات الإعلامية لا ينبغي أن ينتظر غيابها، ولا أن يأتي بعد أن يجف مدادها، بل الواجب أن نقول للكبار وهم بيننا إننا نقدر عطاءهم، ونحترم تجاربهم، وندرك قيمة ما يقدمونه للمجتمع.
فالوفاء ليس رثاء متأخرا، وإنما كلمة تقدير تقال في وقتها، وشهادة حق تمنح لمن يستحقها وهو ما يزال يكتب ويبذل ويؤثر.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حق الإعلامي الكبير أنه استطاع أن يجعل من قلمه جسرا بين الحقيقة والناس، ومن كتابته مساحة للفهم، ومن حضوره المهني مدرسة يستفيد منها الآخرون.
وقد يكتب كاتب مئات المقالات ثم تنتهي بانتهاء مناسباتها، بينما يكتب آخر مقالا واحدا فيبقى في الذاكرة، لأن قيمة الكتابة لا تقاس بعدد السطور، وإنما بمقدار الصدق الذي تحمله، وبما تتركه من أثر في العقل والوجدان.
ولذلك فإن حديثي عن الأستاذ إبراهيم شقلاوي ليس شهادة معرفة شخصية، ولا مجاملة فرضتها صلة أو مناسبة، وإنما هو انطباع قارئ ظل يتابع قلمه، فرأى فيه رصانة الإعلامي، ووعي المثقف، ومسؤولية الكاتب، وحرص الوطني على أن تكون الكلمة في موضعها.
ومع أنني لم أتشرف بلقائه أو الحديث معه حتى اليوم، فإنني أشعر أنني عرفت جانبا كبيرا منه من خلال كتاباته؛ لأن الأقلام الصادقة تقدم أصحابها إلى الناس كما هم، وتكشف معدنهم دون حاجة إلى مقدمات.
وما أحوج الإعلام السوداني اليوم إلى أمثال هذه القامات التي تحفظ للمهنة وقارها، وللكلمة قيمتها، وللحقيقة مكانتها، وللوطن موقعه فوق الخلافات والمصالح الضيقة.
التحية والتقدير للقامة الإعلامية الأستاذ إبراهيم شقلاوي، كاتب «وجه الحقيقة»، وصاحب القلم الرصين والرؤية المتزنة، الذي جعل من الكلمة موقفا، ومن الإعلام رسالة، ومن الحقيقة طريقا لا يحيد عنه أصحاب الضمائر الحية.
وله مني، من بعيد، خالص التحية والاحترام، مع أمنية صادقة أن تجمعنا الأيام في لقاء يليق بمقامه، لأقول له مباشرة إن الرجال الكبار قد لا نلتقيهم، لكننا نعرفهم من آثارهم، وإن الأقلام النبيلة قادرة على أن تصنع جسورا من المودة والتقدير قبل أن تتصافح الأيدي

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.