البعد_الاخر مصعب بريــر قطرة دم قبل الزفاف: كيف نقود أطفالنا إلى الوجع المؤجل بأيدينا؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
قطرة دم قبل الزفاف: كيف نقود أطفالنا إلى الوجع المؤجل بأيدينا؟
هل تساءلت يوماً كم من الوجع المستقبلي كان يمكن لمنعطف بسيط في لحظة الفرح أن يجنبنا إياه؟ في بيوتنا، نتفنن في تدقيق كل تفاصيل الزواج؛ نسأل عن “الحسب والنسب”، ونحسب تكاليف “الشيلة” و”السد مال”، ونجهز الحوش بالأضواء والزغاريد. لكننا نغفل عن السؤال الأكثر مصيرية، السؤال الذي لا يتطلب مالاً بل وعياً: هل دم المحبوب يبني حياة جديدة، أم يحمل في طياته شقاء أجيال قادمة؟
هذا هو جوهر القضية باختصار: فحوصات ما قبل الزواج ليست ترفاً أو إجراءً شكلياً تُستخرج به ورقة إدارية لقطع النزاع، بل هي خط الدفاع الأول عن أطفال لم يولدوا بعد. نحن لا نتحدث هنا عن الماضي أو عن رفاهية طبية، بل عن نزيف صامت نعيشه اليوم في مستشفياتنا وعائلاتنا، حيث يدفع الأطفال أثماناً باهظة لجهل أو استهانة لم تكن تستغرق سوى بضع قطرات من الدم في مختبر.
السبب الظاهر الذي يراه معظم الناس هو أن الإقدام على هذه الفحوصات يُعد “وسواساً” أو مبعثاً للشك بين العائلات، أو ربما تكلفة إضافية في ظل ظروف اقتصادية طاحنة. والنتيجة الحتمية كانت انتشاراً متزايداً لأمراض الدم الوراثية كأنيميا الخلايا المجلية (السكلسل) والثلاسيميا، إلى جانب مخاطر انتقال الفيروسات الكبدية ومرض نقص المناعة. لكن ما لا يُرى على السطح، هو كيف يرتبط هذا الصمت الاجتماعي بانهيار المنظومة الصحية وإرهاق ميزانية الأسرة. إن الأب الذي يلهث اليوم بين صيدليات أم درمان وسوق ليبيا ليشتري جرعات الدم أو يغطي تكاليف إقامة ابنه في المستشفى، إنما يحارب عرضاً لمشكلة كان يمكن الوقاية منها بتقرير مخبري لم يستغرق نصف ساعة قبل سنوات.
الأرقام والبحوث العلمية تصرخ بهذه الحقيقة دون مواربة. تجارب دول شقيقة، كالمملكة العربية السعودية والبحرين، أثبتت أن جعل فحوصات ما قبل الزواج ملزمة ومرفوقة بالتوعية قد خفّض نسبة ولادة أطفال مصابين بالثلاسيميا والأنيميا المجلية بأكثر من 80% إلى 90% خلال سنوات قليلة. هذه الفحوصات ليست معقدة؛ هي تشمل صورة الدم الكاملة وفحص الفرز للهيموجلوبين (Hemoglobin Electrophoresis) للكشف عن الجينات المتنحية، إضافة إلى الفحص الفيروسي (التهاب الكبد ب وج ونقص المناعة) وتوافق العامل الرايزيسي (Rh). يرى البعض أن فرض هذه الفحوصات يتدخل في الخصوصية، ولكن ألا تتحمل المجتمعات التي ترفع شعار “الستر” مسؤولية عذاب طفل يقضي طفولته بين أجهزة نقل الدم والآلام التي لا تطاق؟ إن الوقاية هنا ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل هي واجب ديني وإنساني بحت.
وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة التي ينبغي فيها أن نتوقف عن معاملة الفحص الطبي كأنه عقبة في طريق الزفاف، أو ورقة تُجامل بها السلطات. الحل لا يكمن فقط في سن تشريعات صارمة تجعل الفحص شرطاً لإبرام العقد، بل في إحداث ثورة ثقافية داخل كل بيت، وتبسيط هذه الفحوصات وتوفيرها مجاناً أو بأسعار رمزية في جميع المراكز الصحية بالولايات، حتى لا تكون المادة عذراً للهروب من المسؤولية.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن بناء الأسر لا يُقاس بباذخ الزينة أو كثرة الموائد في ليلة الفرح، بل بمدى قدرتنا على أن نضمن لهذا البيت السكينة والصحة. الفحوصات الطبية قبل الزواج ليست وثيقة اتهام، بل هي أعظم وثيقة حماية يقدمها الشريكان لبعضهما ولأبنائهما القادمين، كي لا تتحول البيوت بعد سنوات من رنين الزغاريد إلى سرادق للوجع المؤجل.
أخيرًا، عندما نختار التغاضي وإغلاق الأعين عن الحقيقة العلمية، فنحن لا نستر أسرنا كما نوهم أنفسنا، بل نوقع بأيدينا على شقاء من نحب. فالبيوت التي تُبنى على جهل صحي لا تهدمها الظروف الخارجية بل تنهار بأمر الجينات، ومأساة أن نكتشف متأخرين أننا استرخصنا قطرة دم، فدفعنا مقابلها أعماراً كاملة من الألم.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
