ليست الكهرباء… بل كرامة الإنسان حين تكشف قصةٌ متداولة الفارق بين دولةٍ تُدار بالإنسان، وأخرى يُرهقها الإنسان ✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد
ليست الكهرباء… بل كرامة الإنسان
حين تكشف قصةٌ متداولة الفارق بين دولةٍ تُدار بالإنسان، وأخرى يُرهقها الإنسان
✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

تداولت منصات التواصل الاجتماعي قصةً عن أسرة سودانية لاجئة في ألمانيا، تأخرت في سداد فاتورة الكهرباء، فقطعت الشركة الخدمة، ثم تحولت الواقعة – بحسب الرواية – إلى قضية رأي عام، أعقبها اعتذار من الشركة وتعويض للأسرة. ولا يمكن الجزم بصحة جميع تفاصيل هذه القصة لعدم وجود مصدر موثق يؤكدها، غير أن الرسالة التي تحملها تستحق التأمل، لأنها تثير سؤالًا أكبر من القصة نفسها:
ما قيمة الإنسان في ميزان الدولة؟
إن الحضارة ليست قطارات فائقة السرعة، ولا ناطحات سحاب، ولا أرقامًا اقتصادية ضخمة، وإنما هي قبل كل شيء احترام الإنسان. فحين يشعر المواطن أو المقيم أن القانون يحميه، وأن المؤسسة تسمع شكواه، وأن الخطأ يُصحح، تتولد الثقة، وتترسخ المواطنة، ويصبح الانتماء للوطن سلوكًا عمليًا لا مجرد شعارات.
ولذلك قرر الإسلام هذا المبدأ قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقال تعالى:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
فالتكريم هنا لم يكن للمسلم وحده، ولا للعربي وحده، وإنما لبني آدم جميعًا، وهي قاعدة إنسانية عظيمة تجعل كرامة الإنسان أصلًا من أصول العمران.
وقال سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
فالعدل هو أساس استقرار الدول، والإحسان هو الذي يمنح القوانين روحها، ويجعل المؤسسات أقرب إلى الناس.
ولم يكن رسول الله ﷺ بعيدًا عن هذا المعنى حين قال:«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
فكل مسؤول، من أعلى هرم الدولة إلى أصغر موظف، مؤتمن على حقوق الناس، وسيُسأل عن أداء الأمانة قبل أن يُسأل عن الإنجازات الإعلامية.
إن الفرق الحقيقي بين الدول ليس في وجود الأخطاء؛ فكل دولة تخطئ، وكل مؤسسة قد تقصر. وإنما الفرق في كيفية التعامل مع الخطأ. فهناك مؤسسات تعتبر الشكوى فرصة للإصلاح، وهناك مؤسسات تعتبرها إساءة ينبغي إسكات صاحبها.
والدول التي تتصدر مؤشرات التنمية لم تصل إلى مكانتها لأنها بلا مشكلات، وإنما لأنها بنت أنظمة للمحاسبة، وحماية المستهلك، والشفافية، وسرعة الاستجابة، واحترام القانون على الجميع.
أما حين يعتاد المواطن انقطاع الكهرباء، وتعطل المياه، وسوء الخدمات، وتأخر العلاج، ورداءة الطرق، ثم يقنع نفسه بأن ذلك أمر طبيعي، فهنا تبدأ أخطر مراحل التراجع؛ لأن الشعوب لا تنهزم حين تعاني فقط، وإنما تنهزم حين تعتاد المعاناة.
ومن المؤلم أن كثيرًا من أبناء أوطاننا لم يعودوا يحلمون بخدمة ممتازة، بل أصبح أقصى طموحهم ألا تنقطع الكهرباء، أو أن يجدوا دواءً، أو ماءً صالحًا للشرب، أو طريقًا آمنًا، بينما هذه الحقوق في كثير من دول العالم تُعد من أبسط واجبات الدولة تجاه مواطنيها.
ولا يعني هذا تمجيد الغرب أو الانتقاص من أوطاننا؛ فلكل مجتمع إيجابياته وسلبياته، والدول الغربية نفسها تواجه تحديات وانتقادات في مجالات متعددة. لكن الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها، ويتعلم من التجارب الناجحة دون أن يفقد هويته أو قيمه.
إن بناء الدولة الحديثة يبدأ حين تؤمن مؤسساتها بأن المواطن ليس رقمًا في سجل، ولا ملفًا على مكتب، ولا مجرد دافع للرسوم والضرائب، بل هو محور التنمية، وغاية السياسات العامة، وأغلى ثروة تملكها الأمة.
وفي السودان، بعد سنوات الحرب والمعاناة والنزوح، أصبح الحديث عن إعادة الإعمار لا يقتصر على تشييد الجسور والمباني، بل يشمل إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات الأساسية، وترسيخ العدالة، ومكافحة الفساد، وتعزيز الكفاءة، حتى يشعر الإنسان أن وطنه لا يتركه وحيدًا عند الشدة.
إن الدول العظيمة لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تمنحه للإنسان من أمن، وعدل، وكرامة، وفرصة لحياة كريمة.
ويبقى قول الفاروق ** نبراسًا لكل مسؤول: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»؛ وهي كلمة، وإن كان في إسنادها نقاش عند أهل الحديث، فقد أصبحت رمزًا لمعنى عظيم، وهو أن الإنسان خُلق حرًّا كريمًا، وأن السلطة وجدت لخدمته بالحق والعدل، لا لإذلاله أو إهماله.
فليكن الإنسان أولًا… عندها فقط تستحق الأوطان أن تُسمى أوطانًا، وتستحق المؤسسات أن تحظى بثقة شعوبها،
والله ولي التوفيق
