منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الشرطة المجتمعية وبناء الثقة آلية النجاح ✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

0

الشرطة المجتمعية وبناء الثقة آلية النجاح
✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

يعد بناء الثقة بين الشرطة والمجتمع الركيزة الأساسية لنجاح فلسفة الشرطة المجتمعية؛ إذ لا يمكن تحقيق أمن مستدام بالاعتماد على الإجراءات القانونية والقوة وحدهما، وإنما من خلال بناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام والشراكة والمسؤولية المشتركة.
فالشرطة المجتمعية لا تنظر إلى المواطن باعتباره مجرد متلقٍّ للخدمة الأمنية، وإنما باعتباره شريكاً أصيلاً في صناعة الأمن والوقاية من الجريمة وحل المشكلات المحلية.
وقد وضع القرآن الكريم أساساً راسخاً لحسن العلاقة بين أفراد المجتمع، فقال تعالى:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[البقرة: 83]
وهذه الآية الكريمة تحمل دلالة عميقة في العمل الشرطي؛ فالكلمة الطيبة، وحسن الاستماع، واحترام الإنسان، وحسن التعامل، كلها وسائل عملية لبناء جسور الثقة بين رجل الشرطة والمواطن.
_كما قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾[المائدة: 2]
وهو مبدأ يتوافق بصورة واضحة مع فلسفة الشرطة المجتمعية التي تقوم على التعاون بين المؤسسة الشرطية والمجتمع لتحقيق الأمن والوقاية من الجريمة وحماية الأرواح والممتلكات.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾: [النساء: 58]
فالعدل واحترام الحقوق وتطبيق القانون على الجميع تمثل ركائز أساسية للثقة في المؤسسة الشرطية.
وقال رسول الله ﷺ:«مَن لا يَرحم لا يُرحم» : متفق عليه.
وهنا تتضح أهمية البعد الإنساني في العمل الشرطي؛ فرجل الشرطة يتعامل مع الإنسان في ظروف مختلفة، وقد تكون طريقة التعامل نفسها عاملاً في تهدئة الموقف أو تصعيده، كلما كان رجل رحيما كان قريبا لقلوب الناس.
الشرطة والمجتمع… شراكة لا مواجهة
من أشهر المبادئ المنسوبة إلى سير روبرت بيل (Sir Robert Peel)، أحد رواد الشرطة الحديثة:
« *الشرطة هي الجمهور، والجمهور هو الشرطة.»
*ويعكس هذا المبدأ جوهر العلاقة بين الشرطة والمجتمع؛ فالشرطة ليست مؤسسة منفصلة عن المجتمع، وإنما هي جزء منه، وتستمد جانباً مهماً من فعاليتها من تعاون المواطنين وثقتهم.

كما ركز عالم الشرطة الأمريكي هيرمان غولدمشتاين (Herman Goldstein) على ضرورة انتقال الشرطة من مجرد الاستجابة للحوادث إلى التعرف على المشكلات وتحليل أسبابها ومعالجتها بصورة منهجية.
وهذا هو جوهر الشرطة المجتمعية: الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، ومن التعامل مع نتائج المشكلة إلى معالجة جذورها، ومن العمل المنفرد إلى الشراكة مع المجتمع.
كيف تُبنى الثقة؟
أولاً: حسن المعاملة
كل لقاء بين رجل الشرطة والمواطن يمثل فرصة لبناء الثقة أو إضعافها، ولذلك فإن الكلمة الطيبة، والاحترام، وحسن الاستماع، والابتعاد عن التعالي، ليست مجرد سلوكيات شخصية، وإنما أدوات مهنية في العمل الشرطي.
ثانياً: العدالة والمساواة أمام القانون
لا يمكن أن تستقر الثقة إذا شعر المواطن بأن القانون يطبق بصورة انتقائية، فالعدالة ليست واجباً قانونياً فحسب، بل هي أساس للشرعية والمصداقية.
ثالثاً: الاستماع إلى المجتمع
الشرطة المجتمعية تبدأ بفهم المشكلات التي يشعر بها المواطنون. ولذلك ينبغي فتح قنوات للحوار المستمر مع السكان والقيادات المحلية والمدارس والمؤسسات المجتمعية.
رابعاً: _حل المشكلات
عندما تتكرر مشكلة أمنية_ والاجتماعية في حي أو سوق أو مدرسة، فإن الحل لا ينبغي أن يقتصر على التعامل مع نتائجها، بل يجب تحديد أسبابها، وتحليلها، ووضع حلول مشتركة قابلة للتنفيذ والمتابعة.
خامساً: الشفافية والمساءلة
الثقة لا تعني أن تكون الشرطة فوق النقد، بل أن يشعر المواطن بأن المؤسسة الشرطية تعمل وفق القانون، وأن الأخطاء تخضع للمراجعة والتصحيح والمساءلة.
سادساً: الوفاء بالوعود
من أهم عناصر بناء الثقة أن تقول الشرطة ما تستطيع فعله، ثم تفي بما وعدت به. فالمصداقية تُبنى بالممارسة اليومية، وليس بالشعارات.
الشرطة المجتمعية ثقافة مؤسسية
إن الشرطة المجتمعية ليست إدارة إضافية داخل جهاز الشرطة، وإنما فلسفة واستراتيجية للعمل الشرطي بأكمله،
فالمرور، والدفاع المدني، والشرطة الجنائية، والجوازات والسجل المدني، وحماية الأسرة والطفل، وغيرها من مكونات المؤسسة الشرطية، جميعها تتعامل مع المواطن، وبالتالي فإن كل رجل شرطة يسهم بصورة مباشرة في بناء صورة الشرطة لدى المجتمع.
ومن هنا، فإن بناء الثقة يجب أن يكون مسؤولية مشتركة داخل المؤسسة الشرطية، وأن يتحول إلى ثقافة راسخة في التعامل مع الجمهور.
_الخلاصة
إن الشرطة التي تريد_ معلومات صادقة من المجتمع تحتاج إلى ثقته، والشرطة التي تريد ثقة المجتمع يجب أن تكون عادلة، قريبة، محترمة، شفافة، ومستجيبة لاحتياجاته.
فالأمن الحقيقي لا يُبنى بالحواجز بين الشرطة والمواطن، وإنما ببناء جسور التواصل والثقة والشراكة.
وكلما ازدادت ثقة المواطن في الشرطة، أصبح أكثر استعداداً للتعاون معها، وتقديم المعلومات، والإبلاغ عن المشكلات، والمشاركة في الوقاية من الجريمة.
وهكذا تتشكل دائرة إيجابية:
الثقة ← التعاون ← المعلومات ← الوقاية ← الأمن ← مزيد من الثقة.
إنها المعادلة التي تجعل من الشرطة والمجتمع شريكين في صناعة الأمن، لا طرفين يقف أحدهما في مواجهة الآخر.
والله ولي التوفيق

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.