الكلمة التي تبني… والكلمة التي تهدم ✍ بقلم: حسبو علي بخيت
الكلمة التي تبني… والكلمة التي تهدم
✍ بقلم: حسبو علي بخيت

في الحروب، ليست كل الطلقات تُطلق من فوهات البنادق، فبعضها يخرج من الأفواه، ويستقر في القلوب، ويترك من الشروخ ما قد تعجز المدافع عن إحداثه. والكلمة في زمن الخطر ليست رأيًا عابرًا، وإنما موقفٌ سياسي، وسلاحٌ معنوي، ورسالةٌ قد تجمع الصفوف أو تُبعثرها، وقد تشدُّ عصب الأمة أو تُرخيه.
لاشك أن عبارة ماعدا المؤتمر الوطني التي اطلقها رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان في هذا الوقت الذي تمر به البلاد عبارة ليس لها معنى في هذا الوقت الذي يقف فية عدد من شباب التيار الإسلامي في الصفوف الأمامية وخلف قواتهم المسلحة وضربوا أروع الأمثال في التضحية والفداء والبساله وقدموا الأرواح والمهج فداءا من أجل بقاء الدولة السودانية والزود عنها من الاختطاف إن هذة العبارة يمكن أن تهدم قبل أن تبني وخصوصا أن ضبط الحديث في فترة الحرب واجب حتى على مستوى قيادات الدولة والسودان اليوم لا يعيش أزمةً عادية، ولا يواجه خصومةً سياسيةً مألوفة، وإنما يخوض أخطر معركة عرفها منذ تأسيس دولته الحديثة. إنها معركة وجود، لا معركة مقاعد، ومعركة بقاء، لا معركة شعارات. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الحفاظ على الجبهة الداخلية وضبط الخطاب والتصريحات جزءًا من الواجب الوطني، بل ربما كان في أهميته موازياً للحفاظ على خطوط القتال.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم وهي في قلب المعارك أن تتحول ساحات السياسة إلى امتدادٍ لساحات القتال، وأن تتسلل الخلافات القديمة إلى وجدان الناس في الوقت الذي ينبغي أن تتجه فيه الأنظار جميعها نحو عدوٍ واحد يهدد وجود الدولة السودانية ويجب القضاء علية من كل مكونات الشعب السوداني السياسية سواء كان مؤتمر وطني أو غيره.
ولهذا فإن كلمات قادة الدولة ليست ملكًا لأصحابها، وإنما هي ملكٌ للوطن كله، لأنها تُسمع في الخنادق كما تُسمع في البيوت، وتُقرأ في الداخل كما تُراقب في الخارج. وكل عبارة تصدر عن مسؤولٍ كبير قد تصنع حالةً من الاطمئنان، وقد تفتح بابًا واسعًا للتأويل والانقسام، ولذلك فإن الحكمة تقتضي أن تكون لغة القيادة لغةً جامعة، لا مفرقة، مطمئنة، لا مستفزة، وبانيةً للجسور، لا حافرةً لخنادق الخلافات.
إن البلاد اليوم ليست في حاجة إلى إعادة تصنيف الناس، ولا إلى توزيع صكوك القبول والرفض، وإنما في حاجة إلى خطابٍ يلتف حوله الجميع، ويشعر معه كل سوداني أن الدولة تناديه ليكون شريكًا في الدفاع عنها، لا متهمًا في وطنيته، ولا مستبعدًا من معركة مصيره.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الجيوش لا تنتصر بقوة السلاح وحدها، وإنما تنتصر حين تقف خلفها أمةٌ متماسكة، تعرف من تقاتل، ولماذا تقاتل، وتؤمن بأن وحدتها هي خط الدفاع الأول عن وجودها. أما حين تتشقق الجبهة الداخلية، فإن العدو يجد في ذلك ما لم تمنحه له ساحات القتال.
ولقد دفع السودان، عبر تاريخه الطويل، أثمانًا باهظة بسبب الانقسامات، حتى غدت الخلافات السياسية مدخلًا لأزماتٍ وطنية كبرى، وما أحوج السودانيين اليوم إلى أن يتعلموا من دروس الأمس، فلا يسمحوا للفرقة أن تتسلل إليهم مرةً أخرى، وهم على أعتاب مرحلة ستحدد مصير الدولة لأجيال قادمة.
إن المسؤولية الوطنية تفرض على الجميع، وفي مقدمتهم قادة الدولة، أن يرتفعوا فوق الخلافات، وأن يجعلوا خطابهم عنوانًا للوحدة، ومنبرًا للتوافق، ورسالةً تؤكد أن الوطن يتسع لأبنائه جميعًا ما داموا يقفون في صف الدفاع عنه وسيادته ووحدته.
فالكلمة الحكيمة قد تُغلق باب فتنة، وقد تمنع شرارة انقسام، وقد تحفظ دماءً لا يعلم عددها إلا الله. أما الكلمة المتعجلة، فإنها قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها من الدمار، وتوقظ حساسياتٍ كان الأولى أن تبقى نائمة حتى تعبر البلاد هذه المحنة والمنعطف الخطير الذي تمر به البلاد.
إن السودان يقف اليوم على مفترق طرق، وليس أمام أبنائه ترف التنازع ولا رفاهية الخصومات السياسية. فإما أن ينتصر الجميع للوطن، فتنتصر الدولة، وإما أن ينتصر كل فريقٍ لنفسه، فتخسر البلاد كلها وتذهب إلى غياهب المجهول.
وحين تدق ساعة الخطر، لا ينبغي أن يُسمع إلا صوت الوطن، ولا ينبغي أن ترتفع إلا راية الوحدة والتكاتف والتعاضد الوطني، لأن الأوطان لا يحفظها اختلاف الساسة، وإنما يحفظها اتفاقهم على أن بقاء الدولة يسبق كل خلاف، وأن وحدة الصف الوطني هي السور الأخير الذي إذا انهار، لم يبقَ بعده ما يستحق الاختلاف عليه.
