منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

في التتك عمود صحفي بقلم/ حسين الاغبش التكتلات الجهوية … حين تتحول العصبية إلى معولٍ لهدم مؤسسات المجتمع المدني

0

في التتك
عمود صحفي بقلم/ حسين الاغبش
التكتلات الجهوية … حين تتحول العصبية إلى معولٍ لهدم مؤسسات المجتمع المدني

تُعد مؤسسات المجتمع المدني إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها نهضة المجتمعات واستقرارها فهي الجسر الذي يربط بين الدولة والمواطن، والوعاء الذي يجمع الطاقات والخبرات لخدمة الصالح العام بعيدًا عن المصالح الضيقة. غير أن هذه المؤسسات قد تتعرض في بعض الأحيان لآفة خطيرة تتمثل في التكتلات الجهوية، التي تجعل الانتماء إلى الجهة أو القبيلة أو المنطقة معيارًا للتقديم والتأخير، بدلًا من الكفاءة والقدرة والإخلاص.
إن العمل الطوعي يقوم في جوهره على التجرد، ويستمد قوته من تنوع أعضائه وتكامل خبراتهم. أما حين تتسلل العصبية الجهوية إلى داخله، فإنها تعيد تشكيل المؤسسة على أسس الانتماء لا على أسس الرسالة، فتظهر جماعات مغلقة تسعى إلى احتكار القرار، وإقصاء الكفاءات، وتحويل المؤسسة إلى ساحة صراع على النفوذ بدلًا من أن تكون ميدانًا للعطاء.
وتبدأ مظاهر هذا الانحراف بخطوات تبدو صغيرة، كترشيح المقربين، أو تفضيل أبناء جهة بعينها في توزيع المسؤوليات، ثم تتطور إلى صناعة التحالفات، وتبادل المصالح، وإقصاء كل من يخالف توجه المجموعة المسيطرة. ومع مرور الوقت، تتراجع روح العمل الجماعي، وتغيب الثقة، ويتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة، فتضعف المؤسسة من الداخل حتى وإن بدا ظاهرها متماسكًا.
ولا يقتصر ضرر التكتلات الجهوية على الأفراد، بل يمتد إلى المجتمع كله. فحين يفقد الناس الثقة في عدالة المؤسسة وحيادها، تتراجع مشاركتهم في أنشطتها، ويقل الدعم الشعبي لها، وتتعطل المبادرات التنموية، وتضيع فرص كان يمكن أن تسهم في تحسين حياة المواطنين.
إن المؤسسات الناجحة لا تُبنى بالولاءات الضيقة، وإنما تُبنى بالحوكمة الرشيدة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، واحترام اللوائح، وتقديم الكفاءة على كل اعتبار آخر. فالمؤسسة التي تُدار بالعقل والقانون تستمر، أما التي تُدار بالعصبية والمحاصصة فإنها تحمل بذور انهيارها في داخلها.
ولذلك، فإن مواجهة التكتلات الجهوية لا تكون بالشعارات، وإنما بإرساء أنظمة واضحة لاختيار القيادات، واعتماد معايير موضوعية في توزيع المسؤوليات، وتعزيز ثقافة المساءلة، وترسيخ قيم العمل المؤسسي التي تجعل الجميع شركاء في النجاح، لا متنافسين على الغلبة.
إن مستقبل مؤسسات المجتمع المدني مرهون بقدرتها على تجاوز الانقسامات الضيقة، واستيعاب جميع أبنائها دون تمييز، لأن الوطن لا يبنى بالجهويات، وإنما يبنى بعقول أبنائه، وإخلاصهم، وإيمانهم بأن خدمة المجتمع مسؤولية مشتركة لا تحتمل الإقصاء ولا الاحتكار. فكلما انتصرت قيم العدالة والكفاءة، ازدادت المؤسسات قوةً وتأثيرًا، وكلما تغلبت العصبية والتكتلات، اقتربت تلك المؤسسات من فقدان رسالتها، مهما بلغت شعاراتها من البريق.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.