منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

خبر وتحليل. عمار العركي هاني صلاح.. من سفير الحرب إلى مدير ملف السودان > من بورتسودان إلى مركز القرار المصري.. انتقال في الموقع لا ابتعاد عن السودان > انتقال هاني صلاح إلى إدارة الملف يؤكد استمرار أولوية السودان لمصر

0

خبر وتحليل. عمار العركي

هاني صلاح.. من سفير الحرب إلى مدير ملف السودان

> من بورتسودان إلى مركز القرار المصري.. انتقال في الموقع لا ابتعاد عن السودان

> انتقال هاني صلاح إلى إدارة الملف يؤكد استمرار أولوية السودان لمصر


▪️كان في وداع السفير المصري هاني صلاح في بورتسودان مشهدان متكاملان؛ الأول نهارا، حين تولى مركز عنقرة للخدمات الصحفية، الذي وصفته في مقالات سابقة بـ«مركز الدبلوماسية الشعبية»، تنظيم حفل التكريم، في صورة تعكس حضور الدبلوماسية الشعبية والمجتمعية، والثاني مساء، حين أقام الفريق مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، مأدبة عشاء على شرف السفير، في تعبير عن التقدير الرسمي والسيادي. وبين التكريم الشعبي والتقدير الرسمي، كانت الرسالة واحدة: شكر وتقدير للسفير هاني صلاح، وتقدير للدور المصري في السودان. واللافت أن ممثل وزارة الخارجية السفير أونور أحمد أكد في كلمته أهمية الدبلوماسية الشعبية والإعلامية في مساندة العلاقات الرسمية، مشيدا بدور مركز عنقرة في تكريم سفراء الدول الشقيقة والصديقة، ووصف فترة عمل هاني صلاح بأنها جاءت في «توقيت حساس وتحديات جسام»، مؤكدا نجاحه في تعزيز وتطوير العلاقات بين البلدين. وختم بالقول إن عزاء السودان في مغادرته أنه انتقل إلى موقع أكثر قربا من السودان، مساعدا لوزير الخارجية المصري ومديرا لإدارة السودان وجنوب السودان.
(1)
من الصعب، في مساحة مقال صحفي ، القراءة والاحاطة بمسيرة السفير هاني صلاح في السودان التي امتدت من نوفمبر 2022، أي قبل اندلاع الحرب بنحو ستة أشهر، إلى هذه المرحلة التي بدأت فيها ملامح المشهد تتضح بعد سنوات من التحولات السياسية والعسكرية والدبلوماسية. لذلك، فإن ما يمكن كتابته هنا رؤوس عناوين ومشاهدات عامة، بينما تحتاج قراءة تجربة السفير هاني إلى سلسلة من المقالات، ولربما إلى كتاب كامل.
(2)
وصل السفير هاني صلاح إلى السودان في نوفمبر 2022، وجد نفسه منذ أبريل 2023 في قلب الحرب التي تحولت معها الدبلوماسية إلى جبهة موازية للجبهة العسكرية. استقبله علي الصادق السفير في بداية مهمته، ثم جاء علي يوسف وعمر صديق ومحي الدين ، وفي المراحل ظل هاني صلاح حاضرا في الخط الأمامي للجبهة الدبلوماسية، منفذا لسياسات بلاده وتوجيهاتها، ومديرا للعلاقة المصرية السودانية في واحدة من أكثر فتراتها حساسية. ومع امتداد الحرب، اتسعت ملفات العمل الدبلوماسي وتعددت ساحاتها إقليميا ودوليا، وظل جزءا من هذا المشهد حتى تغيرت موازين الحرب وانحسرت رقعتها مقارنة ببداياتها.
(3)
ولهذا فإن مغادرة هاني صلاح تحمل دلالة مختلفة، فهو لم يغادر السودان في ذروة الحرب، وإنما بعد مرحلة شهدت تحولات كبيرة في المشهد العسكري والسياسي والدبلوماسي. والأهم أنه لم ينتقل إلى موقع بعيد عن السودان، وإنما إلى موقع أكثر قربا منه، من خلال توليه مسؤولية ملفي السودان وجنوب السودان داخل الخارجية المصرية. ففي مأدبة العشاء التي أقامها الفريق مالك عقار على شرفه، قال عقار إنهم لا يودعون سفيرا فحسب، وإنما «يحتفون بموقف دولة»، مشيدا بمصر قيادة وحكومة وشعبا، وبوقوفها مع السودان خلال الحرب، واستقبالها للسودانيين، وبقاء سفارتها واستمرار عملها من بورتسودان، واستئناف مصر للطيران رحلاتها إلى السودان.
(4)
وهذه الرسالة لا تتعلق بشخص السفير وحده، وإنما تعكس، في جانب منها، تقديرا سودانيا للموقف المصري خلال الحرب، كما تعكس طبيعة المرحلة التي أصبحت فيها العلاقة بين البلدين أكثر ارتباطا وفي هذا السياق، تبدو أهمية موقع هاني صلاح الجديد فانتقاله إلى إدارة ملف السودان وجنوب السودان يعني أن خبرته التي اكتسبها خلال سنوات عمله سفيرا في السودان تنتقل معه إلى داخل مركز القرار الدبلوماسي المصري، بما يمنحه قدرة أكبر على متابعة تفاصيل الملف والتعامل مع تعقيداته من موقع مختلف وأكثر تأثيرا.
(5)
أما هاني صلاح، فاختار في كلمته أن يستحضر واقعة قديمة من تجربته سفيرا لمصر في واشنطن، وهي ربما أهم ما قيل في المناسبة. فقد حكى أن السفير نبيل فهمي استقبل، خلال فترة عمله هناك، مجموعة من الدبلوماسيين المصريين الجدد، فسأله أحدهم عن تجربته في قيادة «أهم سفارة لمصر في أهم دولة»، في إشارة إلى واشنطن والولايات المتحدة. وكانت إجابته، بحسب رواية السفير هاني، أن الولايات المتحدة ليست أهم دولة لمصر، وأن «أهم دولة لمصر هي السودان». وهذه العبارة، التي قيلت قبل سنوات عندما كان السودان أكثر استقرارا، يكتسب استحضارها اليوم دلالة أكبر؛ فإذا كان السودان هو الأهم لمصر في زمن الاستقرار، فمن الصعب القول إن الحرب جعلته أقل أهمية، ، وهنا تحضرني زيارة وزير الخارجية المصري الاخيرة لى تشاد، التي أثارت حفيظة بعض المتابعين والمحللين وتحدثوا عن تغير الأولويات المصرية،وفي تقديري لا يستقيم قول إن القاهرة يمكن أن تستبدل الخرطوم بأنجمينا في ظل كل هذه المشتركات والمعطيات، وتوسيع الحركة المصرية في المنطقة لا يعني بالضرورة إعادة ترتيب السودان إلى مرتبة أدنى في الحسابات المصرية.
(6)
ولعل المفارقة اللافتة أن السفير الذي يستحضر قول سفير مخضرم إن «السودان أهم دولة لمصر» من داخل سفارة بلاده في واشنطن، ثم عاش الحرب سفيرا في الخرطوم، يغادر اليوم إلى موقع يتولى فيه مباشرة ملف السودان وجنوب السودان. ولذلك فإن وداع هاني صلاح لا يبدو مجرد نهاية لمهمة سفير، بقدر ما يبدو انتقالا من موقع إلى موقع دل الملف نفسه، وربما انتقالا إلى مستوى أكثر تأثيرا في صياغة وإدارة السياسة المصرية تجاه السودان. ومن هذه الزاوية، فإن مغادرته لا تعني ابتعاده عن السودان، وإنما انتقاله إلى موقع يستطيع من خلاله متابعة الملف من داخل مركز القرار الدبلوماسي المصري.
خلاصة القول ومنتهاه:
▪️إن السودان، رغم الحرب وتغيرات الإقليم، لا يزال يحتفظ بموقع خاص في الحسابات المصرية. وربما يكون أهم ما في هذه المرحلة أن السفير الذي عاش بدايات الحرب من داخل الخرطوم، ثم تابع تطوراتها من موقعه الدبلوماسي في بورتسودان، يغادر السودان بينما تنتقل تجربته إلى مستوى آخر؛ من تمثيل مصر لدى السودان إلى المشاركة المباشرة في صياغة وإدارة السياسة المصرية تجاه السودان وجنوب السودان. وهنا تحديدا، لا تنتهي قصة هاني صلاح مع السودان بمغادرته، وإنما تبدأ مرحلة جديدة منها؛ مرحلة سيكون فيها، بحكم موقعه الجديد، أحد المسؤولين المباشرين عن إدارة هذا الملف داخل الخارجية المصرية.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.