أمواج ناعمة حين يهزم القرار الشعارات د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
حين يهزم القرار الشعارات
د. ياسر محجوب الحسين
اليوم وُقّع قرار كان ينبغي أن يأتي منذ زمن، لكنه حين جاء، جاء كخيط ضوء يشقّ عتمة طالت أكثر مما ينبغي. أصدر رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس قرارات يُعفي كافة أجزاء ومكونات منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستخدام الشخصي من الجمارك والضرائب وكافة الرسوم الحكومية، ووجّه وزارات المالية والطاقة والصناعة والتجارة، إلى جانب بنك السودان المركزي والهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، لاتخاذ إجراءات التنفيذ الفوري. قرار يندرج، كما قيل، ضمن استراتيجية معلنة لدعم الطاقة المتجددة ومواجهة أزمة كهرباء لم تعد أزمة بل حالة مزمنة تُقاس بالسنين لا بالأيام.
ولست أبالغ إن قلت إن هذا القرار هو الأفضل، بلا منازع، منذ أن وطئت قدما إدريس كرسي رئاسة الوزراء. فقد عُيّن في التاسع عشر من مايو 2025 بموجب مرسوم دستوري أصدره رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وأدى اليمين الدستورية في الحادي والثلاثين من الشهر ذاته. خمسة عشر شهرا ونيّف، انشغل فيها الرجل، أو أُشغل، بمعارك جانبية وسجالات مع الصحفيين الذين كانوا يوما سندا له ووقودا لتعيينه، بدلا من أن ينحاز لقضايا الناس اليومية. أما هذه المرة، فالقرار يمسّ الجرح مباشرة، جرح وطن فقد أكثر من 60% من قطاعه الكهربائي جراء حرب لا تكلّ منذ أكثر من ٣ سنوات، وطن يعيش فيه المواطن بين 12 و20 ساعة من الظلام يوميا في مناطق واسعة، بخسائر تناهز ثلاثة مليارات دولار وفق تقديرات أممية، أرقام باردة خلف كل رقم منها بيت بلا ضوء، ومريض بلا تبريد، وطالب يذاكر على ضوء شمعة.
والمفارقة أن السودان، هذا البلد المثقل بالعتمة، يجلس على كنز من الشمس، فهو من أعلى دول العالم معدلا للإشعاع الشمسي، بقدرة فنية تُقدّر بنحو 15 غيغاواط، ثروة كامنة كانت تنتظر فقط من يرفع عنها العوائق. وقد سبق القرارَ وعيُ الناس أنفسهم؛ فالمزارعون والمشروعات الصغيرة والمواطن العادي لجأوا بالفعل إلى الألواح الشمسية كطوق نجاة، لكن التكلفة المرتفعة كانت الجدار الذي يقف بينهم وبين الضوء. الإعفاء اليوم يهدم جزءا من هذا الجدار، ويفتح كوّة أمل نحو اعتماد أوسع على مصدر نظيف ومستدام لا يخضع لتقلبات الحرب ولا لانقطاع الإمدادات.
لكن الأمل وحده لا يُضيء بيتا. فنحن بحاجة إلى أن تتواصل قرارات رئيس الوزراء في هذا المنحى، وأن تتحول اللحظة إلى خطط جادة لتوطين صناعة مستلزمات الطاقة الشمسية محليا، سواء لاحتياجات المواطن البسيط والصناعات الصغيرة، وهنا يكمن جوهر التحدي الحقيقي، أو لمشاريع الصناعة الضخمة واحتياجات القطاع العام. فهل نسمع قريبا عن تشكيل مجلس أعلى للطاقة الشمسية يوجّه دفة الاستثمار الحكومي والخارجي نحو هذا القطاع الواعد؟ أم يظل القرار جزيرة معزولة في بحر التردد؟
ذلك أن الحقيقة التي لا تُجمّل: منذ تعيين كامل إدريس، لم يتحقق حتى اليوم نصف ما كان مرجوا، لا على صعيد الخدمات الأساسية للمواطن، ولا على صعيد الاقتصاد وانهيار الجنيه أمام العملات الصعبة، ولا حتى في ملفات السياسة الخارجية. ورئيس الوزراء اليوم أحوج ما يكون إلى خارطة طريق سياسية وتنفيذية واضحة المعالم، تضع حدا لتقاطع الصلاحيات المزمن بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، حتى يتفرغ لما يهم الناس فعلا، بعيدا عن الاستنزاف في معارك جانبية لا طائل منها.
ويبقى هذا القرار، رغم كل شيء، خطوة عملية في الاتجاه الصحيح، بصيص ضوء وسط عتمة طويلة. فإن تُرجم إلى سياسات مستدامة واستثمارات حقيقية في التصنيع المحلي، فقد يكون هذا القرار الشمعة الأولى التي تُضيء الطريق أمام ملايين السودانيين الذين ما زالوا يعيشون، ليلا ونهارا، في عتمة لم يخترها أحد منهم.
