منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
البعد_الاخر د. مصعب بريــر من منبر الأمم المتحدة: ترامب يوقّع شهادة وفاة النظام الدولي ..! 57 دقيقة... وبرغم التوقع.. عبد المعزحسين مكابرابي ميكانيزم القرار الإستراتيجي في الدولة (السياسات الأمريكية في ... سنا الحقيقة السيادة الوطنية لا. تقبل المساومة د / أميرة كمال مصطفى وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ================= الجمعية العامة .. هندسة المواقف ومأزق الاحتمالات قراءة في البيان الأمريكي الجديد من أعطي واشنطن حق إعادة تعريف الشرعية في بلادنا ! ======== ✍... مِنْ بَعْدِ مَا فَاتَ الْأَوَانُ، اللَّيْلَةَ جَائِيٌّ وَتَعْتَذِرُ؟ ================ ✍þ... رئيس الجهاز القضائي حين جبر خاطر شاب مكافح ============== ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف وبرغم التوقع ... عبد المعز حسين مكابرابي مراكز الدراسات والبحوث و الإسناد المعرفي للاستراتيجية الوط... وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ================== الحوار السوداني.. ما قبل الطاولة وقل اعملوا د/ عبدالله جماع ================= التعليم الخاص ليس بدعة.. بل هو ضرورة عالمية؛؛

قراءة في البيان الأمريكي الجديد من أعطي واشنطن حق إعادة تعريف الشرعية في بلادنا ! ======== ✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

0

قراءة في البيان الأمريكي الجديد :
من أعطي واشنطن حق إعادة تعريف الشرعية في بلادنا !
✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

لم يعد من الممكن قراءة الموقف الأمريكي من الحرب في السودان باعتباره مجرد مسعى إنساني لوقف القتال أو مبادرة دبلوماسية لحقن الدماء .
فالبيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في 22 سبتمبر 2026م ، تحت عنوان ” الجهود الرامية إلى تحقيق السلام في السودان ” ، يحمل في طياته تحولاً مهماً في طريقة واشنطن لتعريف ماهية الحرب علي السودان ، ومفهوم الشرعية ، وشكل السلطة التي ينبغي أن تحكم السودان بعد الحرب .
فالبيان ، من ناحية ، يدعو القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع إلى هدنة إنسانية وحوار سياسي شامل يقود إلى انتقال مدني ، وهي أهداف يمكن مناقشتها .
لكن الخطورة تبدأ عندما تنتقل واشنطن من الدعوة إلى وقف الحرب إلى إعادة تعريف من يملك الحق في تمثيل الدولة السودانية .
فالعبارة الأكثر وضوحاً وخطورة تقول إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ، وقيادتيهما ، لا تمثلان “حكماً شرعياً أو دستورياً” للسودان ، وإنهما تحكمان بقوة السلاح وحدها ، وإن سلوك قائدي “الطرفين” يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد .
وهنا ينبغي التوقف طويلاً .
فالبيان لا يكتفي بوضع الدعم السريع والقوات المسلحة في خانة طرفي النزاع العسكري ، وإنما يضعهما معاً في مستوى واحد عندما يتعلق الأمر بالشرعية السياسية ،
وهذه مساواة سياسية لا يمكن للحكومة السودانية أن تمر عليها مرور الكرام .
ذلك أن القوات المسلحة السودانية ، ليست تنظيماً مسلحاً نشأ خارج الدولة ثم حمل السلاح ضدها ؛ إنها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة السودانية ، ومهمتها الدستورية الأساسية هي حماية البلاد وسيادتها ووحدة أراضيها .
أما الدعم السريع فهو طرف مسلح دخل في مواجهة عسكرية مع الدولة ومؤسساتها .
ومن ثم فإن المساواة بينهما في توصيف الشرعية السياسية تعني بالضرورة المساواة القانونية بينهما ، وتؤدي عملياً إلى تمييع الفارق بين الدولة والتمرد .
وهذه هي العقدة التي ينبغي أن تنتبه إليها الخرطوم .
فالولايات المتحدة تقول إنها تريد ” إعادة السلطة إلى الشعب السوداني ” ، وتقول إنها مستعدة للعمل مع ” أي طرف يكون شريكاً جاداً في السلام ” ، لا مع الحكومة السودانية بوصفها الجهة التي تمثل الدولة !
كما أنها تدفع نحو حوار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية .
وهنا يصبح السؤال مشروعاً : هل نحن أمام مبادرة لإنهاء الحرب ، أم أمام محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي السوداني في أثناء الحرب ؟
الحكومة السودانية لا ترفض السلام أو الحوار أو الانتقال السياسي من حيث المبدأ ، لكن من حقها ، بل من واجبها ، أن تسأل عن الأساس الذي يُبنى عليه هذا الانتقال ، ومن يحدد أطرافه ، ومن يمنح الشرعية لمن ، وما إذا كان السلاح الذي تمرد على الدولة سيصبح ، نتيجة التسوية السياسية ، طريقاً إلى السلطة التي عجز عن الوصول إليها من خلال التمرد العسكري المدعوم من الخارج .
والأخطر أن هذا البيان يأتي في سياق تصعيد أمريكي واضح .
فقد أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة حجبت تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وأن مصادر سودانية وغربية ربطت الأمر بمقترح أمريكي لهدنة مدتها 90 يوماً.
وإذا صحت هذه الرواية ، فإن استخدام الحضور في الأمم المتحدة كورقة ضغط لإجبار قيادة الدولة على قبول ترتيبات سياسية أو عسكرية محددة يمثل تطوراً بالغ الحساسية والخطورة ، ويستدعي معالجة دبلوماسية وقانونية رفيعة المستوى .
ولا يمكن فصل ذلك عن الاتجاه الأمريكي للدفع نحو توسيع حظر السلاح المفروض على السودان ليشمل البلاد كلها ، في الوقت الذي تقول فيه واشنطن إن هدفها رفع كلفة الحرب على جميع الأطراف والشبكات التي تغذيها .
غير أن السؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومة السودانية بوضوح هو : إذا كان المجتمع الدولي يريد وقف الحرب ، فلماذا لا يكون المدخل الحقيقي هو وقف الدعم الخارجي عن القوة التي تشن الحرب على الدولة ؟ ولماذا تُعامل الدولة ومؤسساتها الرسمية وكأنها مجرد طرف مساوٍ لقوة متمردة ؟
إن السلام العادل لا يبدأ بإلغاء الفروق بين المعتدي والمدافع ، ولا بتحويل الدولة إلى مجرد “طرف متحارب” داخل معادلة متساوية بين طرفين .
لقد أخطأت بعض المقاربات الدولية منذ بداية الحرب عندما اختزلت الأزمة في ثنائية “الجيش والدعم السريع” ، وكأن السودان يخوض حرباً أهلية تقليدية بين قوتين متكافئتين ، بينما المسألة في جوهرها أكثر وضوحا : هناك دولة ومؤسساتها ، وهناك تمرد مسلح ، وهناك أيضاً أبعاد إقليمية ودولية وتدفقات للسلاح والمال والدعم الخارجي .
وإذا أرادت واشنطن فعلاً مساعدة السودان ، فإن عليها أن توسع تعريفها للأزمة بدلاً من تضييقه .
أما الحكومة السودانية ، فإن أمامها الآن مجموعة من الخطوات الضرورية :
أولها : إطلاق تحرك دبلوماسي عاجل ومنظم في الإقليم والعواصم المؤثرة في العالم لشرح الفرق بين الدولة والقوة المتمردة ، وعدم ترك الرواية السودانية أسيرة للبيانات الامريكية .
وثانيها : إعداد مذكرة قانونية ودبلوماسية متكاملة توضح الوضع الدستوري والقانوني للمؤسسات السودانية ، ومهام القوات المسلحة ، وطبيعة نشأة الدعم السريع ومسار تمرده ، وتُرفع إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والدول المؤثرة .
وثالثها : المطالبة بأن تشمل أي مبادرة للسلام بنداً صريحاً بشأن وقف الدعم الخارجي عن الأطراف المسلحة ، مع آلية للتحقق من مصادر السلاح والتمويل والتجنيد والمرتزقة ، بدلاً من الاكتفاء بمطالبة الدولة بوقف عملياتها .
ورابعها : رفض أي مسار سياسي يمنح السلاح حقاً تفاوضياً يتجاوز حق المواطنين والقوى المدنية الحقيقية ، مع الانفتاح في الوقت نفسه على حوار مدني سوداني واسع لا يكون مفروضاً من الخارج ولا مصمماً لخدمة أجندة طرف دولي أو إقليمي .
وخامسها : التحرك داخل المؤسسات الدولية لمنع تحويل الحظر العام على السلاح إلى أداة لإضعاف الدولة ، لأن بصورة غير متكافئة في الواقع قد تكون نتائجه مختلفة جذرياً إذا كان التمرد يمتلك بالفعل مصادر خارجية متعددة للسلاح .
وسادسها : بناء جبهة دبلوماسية وإعلامية سودانية واحدة ، تضم الدولة والقوى السياسية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية والكفاءات السودانية في الخارج ، لتقديم خطاب مهني موثق لا يقوم على الانفعال ولا على الإنكار ، وإنما على الحقائق والقانون والمصالح الوطنية .
وسابعها ، وربما الأهم : ألا تدخل الحكومة السودانية في مواجهة خطابية مع الولايات المتحدة ، وإنما في حركة دبلوماسية ذكية لمواجهة مواقفها ، والي حراك شعبي وسياسي داخلي يؤكد للعالم التفاف الشعب حول جيشه وقيادته الشرعية .
فالسودان ربما يحتاج إلى واشنطن كشريك محتمل في السلام وإعادة الإعمار ، لكنه لا يستطيع أن يقبل بأن يتحول هذا الدور إلى وصاية على مستقبله السياسي أو إلى إعادة صياغة لشرعيته الوطنية من خارج حدوده
إن السودان يحتاج إلى دبلوماسية سودانية أكثر حضوراً ووضوحاً وجرأة .
فالسلام مطلوب ، والحوار مطلوب ، والحكم المدني الذي يختاره السودانيون عبر مسار وطني ديمقراطي مطلوب .
لكن الطريق إلى ذلك لا ينبغي أن يمر عبر تسوية تضع الدولة والتمرد على قدم المساواة ، أو تمنح الخارج حق تحديد من هو الشرعي ومن هو غير الشرعي ، أو تجعل الهدنة مدخلاً لإعادة هندسة الدولة قبل أن تتوقف الحرب وتُصان سيادتها .
لقد آن الأوان لكي تقول الخرطوم لشركائها الدوليين بوضوح : نعم للسلام ، نعم للحوار ، نعم للانتقال المدني ، ولكن لا لإعادة تعريف الدولة السودانية باعتبارها مجرد طرف في الحرب ، ولا لتحويل التمرد إلى شريك مساوٍ للدولة في أصل الشرعية .
فالسودان يمكن أن يقبل الوساطة ، وأن يرحب بالسلام ، وأن ينفتح على العالم ، من دون أن يتنازل عن حقه في أن يقرر السودانيون وحدهم شكل دولتهم ومستقبل نظامهم السياسي .
وهذه ليست قضية حكومة أو قيادة أو مؤسسة بعينها ؛ إنها قبل كل شيء قضية دولة وسيادة ومستقبل وطن يملك الحق في تحديد مصيره .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.