وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ================= الجمعية العامة .. هندسة المواقف ومأزق الاحتمالات
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
الجمعية العامة .. هندسة المواقف ومأزق الاحتمالات

الواضح أن حرب الكرامة انتقلت من ساحات القتال الي المنابر الدولية عبر الصراع على القرار الوطني، لتدخل مشاركة الخرطوم في اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة اختبارًا سياسيًا صعبا تتداخل فيه الضغوط الدولية مع حسابات إعادة تشكيل الدولة، ودفعها نحو تفاهمات قد تتجاوز وقف الحرب إلى رسم ملامح مستقبلها السياسي والسيادي.
وهذا لاتجاه يكشفه تأخر تأشيرة الرئيس عبد الفتاح البرهان إلى نيويورك، فبحسب “رويترز” ، تبدو التأشيرة مرتبطة بموقف البلاد من مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار 90 يومًا، وهو ما أثار قلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ودفع الأمانة إلى إثارة الأمر مع واشنطن.
لواضح ان التأشيرة باتت ورقة سياسية. فإذا صدرت، يمكن أن يعني ذلك الفصل بين الخلاف السياسي والالتزامات المرتبطة باستضافة اجتماعات المنظمة الدولية. أما إذا استمر عدم إصدارها، فإن الأمر يضع الأمم المتحدة أمام اختبار لحدود قدرتها على ضمان مشاركة الدول الأعضاء في منبرها، ويضيف بعدًا جديد إلى العلاقة المتوترة بين الخرطوم وواشنطن.
وإذا ثبت ربط التأشيرة بشرط سياسي، فالمسألة تتجاوز السفر إلى سيادة السودان وحقه في المشاركة الكاملة في الجمعية العامة. وعندها تصبح القضية أعمق من خلاف بين الخرطوم وواشنطن، فالجمعية العامة منبر للدول الأعضاء، لا ساحة تُستخدم فيها التأشيرة لفرض الإرادة السياسية، او ابتزاز الدول، فالسودان له كامل الحق في مخاطبة العالم بقضيته العادلة. وليس لاحد الحق في انتزاع ارادة السودانين عند ابواب المنابر الدولية.
وفي هذا السياق يأتي مقال البرهان المنشور في مجلة Foreign Policy الأمريكية، داعيًا إلى إنهاء الحرب بصورة دائمة، ووقف التدخل الخارجي، وربط السلام بمسار سياسي سوداني، مع التركيز على الانتهاكات والدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع . لذلك اختيار البرهان لمنصة أمريكية مؤثرة يمنح الرواية السودانية فرصة للوصول إلى الراي العام الإقليمي والدولي، والي دوائر سياسية وإعلامية وبحثية داخل الولايات المتحدة.
لكن معركة الرواية لا تحسم وحدها الموقف الدولي، فالدول تتحرك وفق مصالحها، والوقائع على الأرض . ومن هنا تكتسب دعوة غوتيريش لمساءلة الدول التي تطيل أمد الحرب أهمية بالنسبة للخرطوم، لأنها تفتح مساحة أوسع لمناقشة أثر التدخل الخارجي في استمرار الصراع.
وفي المقابل، يبرز حضور عبد الله حمدوك ووفد “صمود” في لقاءات دولية موازية، رغم أنه لا يحمل تفويضًا رسميًا لتمثيل السودان في هذه المحافل. وقد يكون وراء هذا الحضور سعي من جهات دولية لتقديمه كصوت بديل، خاصة مع ما يراه قطاع من السودانيين في “صمود” من قرب سياسي من الدعم السريع. وهنا لا يعود تعدد المسارات مجرد تنوع في المواقف، بل قد يتحول إلى صراع على من يتحدث باسم السودان.
وهنا تتقاطع ثلاثة مسارات: الدولة في نيويورك، والقوى السياسية في العواصم الدولية، والحوار السوداني – السوداني في الداخل. وقد تبدو متباعدة، لكنها يمكن أن تتحول إلى مكونات لمسار وطني إذا التقت حول القضايا الأساسية، بدل أن تصبح ساحات متنافسة على تمثيل السودان.
وتزداد أهمية ذلك لأن السودان بحسب وزير الخارجية، يدخل الجمعية العامة بملفات مترابطة، وقف الحرب، والمساعدات، وحماية المدنيين، والتدخل الخارجي، والسيادة، والتسوية السياسية، وإعادة الإعمار. وأي معالجة لأحدها ستؤثر في البقية، ولذلك فإن القضية ليست فقط كيف تنتهي الحرب، بل كيف تُدار المرحلة التي تليها وشكل الدولة التي ستخرج منها.
هذا السياق يمكن وصفه بـ”مأزق الاحتمالات” ،فالمسألة لا تتوقف على ما سيحدث في نيويورك، بل على ما ستنتجه من ضغوط وتفاهمات. قد تتجه واشنطن إلى التصعيد، أو الدفع نحو وقف إطلاق النار، أو الجمع بين الضغط والتسوية، بينما قد تطغى الحسابات الجيوسياسية على أي موقف دولي موحد. وفي المقابل، لا يملك السودان ترف الانتظار، فكلما غابت الرؤية الوطنية والمشروع ، اتسعت مساحة التدخل والضغط على قراره.
وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن اجتماع الجمعية العامة ليس منصة للخطاب فقط، بل ساحة لهندسة المواقف. والتأشيرة نفسها أصبحت جزءًا من هذا المشهد. لذلك يحتاج السودان إلى تحويل حضوره الدولي من مجرد عرض للمواقف إلى إدارة فعالة للمصالح، وبناء التفاهمات، وحماية سيادته وقراره الوطني.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 23 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
#السودان #الجمعية_العامة_للأمم_المتحدة #القرار_الوطني #السيادة_الوطنية #الحرب_في_السودان #الدبلوماسية_السودانية #الضغوط_الدولية #وقف_الحرب #التدخل_الخارجي #المشهد_السياسي_السوداني #إبراهيم_شقلاوي
