حين يصبح التصفيق إنجازاً السودان أولاً بكرامة الإنسان والعمل ===== ✍️د. الشاذلي عبداللطيف
حين يصبح التصفيق إنجازاً:
السودان أولاً بكرامة الإنسان والعمل
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

ما أكثر التصفيق، وما أقلّ ما يصل منه إلى البيوت. فبينما تتعالى الأيدي بالهتاف، ينتظر بيت سوداني عودة الكهرباء، وتبحث أمّ عن دواء، ويتطلع نازح إلى طريق آمن يعيده إلى منزله. لا قيمة لتصفيق لا يتحول إلى أمن وخدمات وكرامة، ولا معنى لاحتفال لا يخفف عن الناس وطأة واقعهم.
أحب هذا الوطن، وأريد أن أرى الفرح يعود إلى وجوه أهله، وأن تصبح كل كلمة تُقال من أجله ثمرة يلمسها الناس، لا صدى عابراً في المنابر. فالسودان ليس عنواناً نهتف به، بل حياة تسكن تفاصيلها: بيت تركناه، وجار افتقدناه، ومدرسة كانت تضج بأصوات أبنائنا، وأمهات يخفين وجعهن. لذلك ينبغي أن يكون الإنسان محور كل قرار، وأن تُقاس الإنجازات بقدرتها على استعادة الاستقرار وفتح الطريق أمام حياة طبيعية.
لقد بذل أبناء السودان تضحيات عظيمة، وقدّم رجال قواتنا المسلحة أرواحهم دفاعاً عن الوطن. والوفاء لهذه التضحيات مسؤولية كل من يتولى شأناً عاماً، بإخلاص العمل، وصيانة المال العام، وإعادة الخدمات، ومساعدة الناس على استئناف حياتهم. فالتضحيات لا تكتمل إلا حين تتحول إلى مستقبل أكثر أمناً وعدلاً.
يجب أن يكون تصفيقنا للإنجاز القابل للتحقق، لا للكلمات التي تستهلك الأمل. فالمواطن يريد مساراً واضحاً، ومؤسسات تعمل، ونتائج تتراكم بصدق وثبات. وفي الكهرباء، يعني ذلك جدولاً معلناً ومستقراً، وإعادة تشغيل المحطات، وربط المستشفيات ومحطات المياه بخطوط طوارئ، ونشر أرقام الإنتاج وساعات القطوعات بشفافية. وفي الدواء، أن يجد المريض أدوية الأمراض المزمنة والمضادات الحيوية بأسعار معلنة، مع مراقبة المخازن والتوزيع لمنع التهريب والاحتكار.
وفي التعليم، لا يكفي افتتاح مدرسة أو رفع شعار، بل عودة التلاميذ إلى فصول آمنة، وتوفير الكتب والمقاعد ومياه الشرب، ودفع مستحقات المعلمين، وخطة لتعويض الفاقد التعليمي، حتى يقرأ الطفل نصاً مناسباً لعمره ويكمل عاماً دراسياً منتظماً. أما عودة النازحين، فتقاس بفتح الطرق وتأمين القرى، وإزالة مخلفات الحرب، وإعادة الماء والكهرباء والصحة والتعليم، وتوثيق الممتلكات، ودعم الأسر العائدة، لتكون العودة طوعية وآمنة وكريمة.
صفّقوا حين يعود النازح إلى بيته، ويجد المريض علاجه، ويجلس الطفل إلى مقعده، وتدور المصانع ويسترد العامل رزقه. صفّقوا حين ينصف القانون صاحب الحق، ويصل المسؤول إلى الناس ويتابع حل شكواهم.
نُقدّر كل خطوة صادقة، ولو كانت صغيرة، ونحترم المسؤول الذي يصارح شعبه بما أُنجز وما تعثّر، ويحدّد ما يستطيع الوفاء به. فالصدق يحفظ الثقة، والعمل المتواصل يبنيها. ومن واجبنا أن نسأل باحترام: ماذا تحقق؟ وأين أثره؟ ومتى يصل إلى المواطنين؟ فالسؤال يصحح المسار، والنقد المنصف يحمي الجهد الوطني من المجاملة.
يا أهل السودان، ليكن تصفيقنا عزيزاً، يذهب إلى من يستحقه بعمله. وليكن حبنا للوطن حاضراً في أمانتنا وإتقاننا وتراحمنا، وحرصنا على أن يجد كل سوداني مكانه وحقه تحت سقفه.
فلنصفّق اليوم لكل إنجاز ملموس يخفف عن الناس، وغداً لكل خطوة تُنجز بمسؤولية وشفافية. ولتكن أيدينا التي تصفّق هي نفسها الأيدي التي تعمل، وتحمي المال العام، وتساند المتضررين، وتطالب بحقوق المواطنين، وتراقب أداء المؤسسات دون تجريح أو مجاملة. فنهضة السودان ليست مهمة حكومة وحدها، ولا بطولة فرد، بل عهد جماعي يتقاسمه المسؤول والمواطن، العامل والمعلم والطبيب، الجندي والمهندس، وكل من يستطيع أن يضيف لبنة في بناء الوطن.
وحين نرى الكهرباء مستقرة، والدواء متاحاً، والمدرسة عامرة، والطريق آمناً، والنازح عائداً إلى بيته، والعامل مسترداً رزقه، عندها لن يكون تصفيقنا مجرد صوت؛ سيكون شهادة على عمل تحقق، ووعداً بأن نحميه ونواصل البناء. وحين ينهض السودان، وتطمئن البيوت، وتعود الحياة إلى شوارعه، سأصفّق من أعماق قلبي؛ ففي فرحة أهله فرحتنا، وفي كرامته كرامتنا جميعاً.
فلنجعل ختامنا عهداً لا شعاراً عابراً: أن يكون العمل طريقنا إلى الكرامة، وأن تكون كرامة الإنسان غاية كل بناء، وأن تتحول أيدي السودانيين من التصفيق إلى الإنتاج، ومن انتظار الفرج إلى صناعة المستقبل. فالسودان لا يُبنى بالأمنيات وحدها، بل بسواعد أبنائه، وبنزاهة مؤسساته، وباحترام العامل والمعلم والطبيب والجندي وكل يدٍ شريفة تكسب رزقها وتخدم وطنها. وحين يتكامل العمل مع المسؤولية، وتلتقي الدولة والمجتمع على حماية الحق وصون الكرامة، يصبح الفرح ثمرة حقيقية، ويصبح التصفيق اعترافاً بما أنجزناه معاً، لا بديلاً عما ينبغي أن ننجزه.
السودان أولاً؛ بالعمل الذي يصون كرامة أهله، وبجيش واحد يحمي الوطن، وبشعب واحد يشارك في بنائه.
