د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد : دلقو: هل اصبح الوطن ضيقاً بأهله.
د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد :
دلقو: هل اصبح الوطن ضيقاً بأهله.
…
ليست المشكلة في دلقو وحدها. المشكلة أن ما جرى في تلك البلدة الصغيرة الواقعة في أقصى شمال السودان، على ضفاف النيل الهادئة، لم يكن مجرد وقفة احتجاجية عابرة أو مذكرة مطالب محلية، بل كان مرآة انعكست عليها أسئلة وجودية مؤرقة عن هوية هذا الوطن ومعنى الانتماء إليه، في لحظة تاريخية فارقة تهتز فيها أركان الدولة وتتمزق أوصالها.
نحن نرفض هذا العبث بالأمن القومي.
في مطلع أبريل 2026، نظم عدد من أهالي بلدة دلقو بمحلية حلفا في الولاية الشمالية وقفة احتجاجية أمام مقر الحكومة المحلية، سلموا خلالها مذكرة ترفض بشكل قاطع ما وصفوه بـ”خطط توطين” نازحين قادمين من إقليمي دارفور وكردفان في منطقتهم. جاءت هذه الوقفة في وقت تشتد فيه وطأة أزمة النزوح، إذ يؤوي “مخيم العفاض” في مدينة الدبة وحدها أكثر من 25 ألف شخص فروا من القتال، يواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية جراء نقص الإيواء والغذاء.
ضمّنت المذكرة ثمانية بنود مطلبية، استُهلت بمقدمة دفاعية تؤكد أن الموقف “لا ينطلق من ضيق إنساني أو تنصل من الواجب”، بل يستند إلى “رؤية مسؤولة لحماية النسيج الاجتماعي”. وتحدثت البنود عن “هشاشة البنية التحتية” في المنطقة، وعن مخاوف من “تغيير ديموغرافي مفاجئ يهدد التوازن الاجتماعي القائم منذ قرون”، معتبرة أن اتخاذ قرارات دون إشراك “أصحاب الأرض” يمثل إخلالاً بمبدأ المشاركة المجتمعية.
قد تكون المخاوف التنموية والخدمية مشروعة من حيث المبدأ، وقد يكون الحديث عن هشاشة البنية التحتية وضرورة التخطيط المسبق لاستيعاب النازحين مطلباً معقولاً في أي نقاش سياسي رصين. لكن المشكلة لم تكن في هذه البنود بقدر ما كانت في النبرة التي صاحبتها، وفي المقاطع المصورة التي انتشرت كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في أحد هذه المقاطع، وصف أحد المحتجين منطقتهم بأنها “أرض مباركة مشى عليها الأنبياء”، مضيفاً عبارة أصبحت مثار جدل واسع: “كيف نقبل بأناس لا يشبهونا في ثقافتنا، ولا حضارتنا ولا مكوننا المجتمعي، بأن يكونوا معنا في هذا المكان؟”. إنها عبارة تكشف، بغض النظر عن النوايا، عن تصور خطير للوطن: تصور يقوم على فكرة “الشبه” و”اللا شبه”، على معايير ثقافية وحضارية تتحول إلى بوابات للقبول أو الرفض.
الأكثر إثارة للقلق في هذه الواقعة لم يكن مجرد خروج المحتجين بهذه المطالب، بل الموقف الرسمي الذي أعقبها. فقد وصفت الإدارة التنفيذية ولجنة أمن محلية دلقو الوقفة بأنها “تعبير حضاري” متسق مع الأعراف القانونية، واكتفت بالتأكيد على خلوها من التفلتات الأمنية. صحيح أن البيان الرسمي تبرأ من “مقاطع الفيديو المتداولة التي حملت خطاباً عنصرياً حاداً”، واصفاً إياها بأنها “رأي شخصي لا يمثل قيم وأخلاق إنسان المنطقة”، لكنه خلا تماماً من أي إشارة إلى اتخاذ إجراءات قانونية أو إدارية.
هذا الصمت الرسمي ليس محايداً. إنه، في جوهره، رسالة ضمنية بأن هذا الخطاب الإقصائي يمكن أن يمر دون مساءلة، وأن التعبير عن الرفض العنصري لنازحين فروا من الموت يمكن أن يوصف بـ”الحضاري” ما دام لم يقترن بعنف جسدي.
لنكن منصفين: البنية التحتية في دلقو قد تكون هشة فعلاً. الخدمات قد تكون محدودة. والتدفق السكاني المفاجئ قد يضغط على الموارد الشحيحة أصلاً. هذه نقاط جديرة بالنقاش الهادئ. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: منذ متى كانت الهشاشة في الخدمات مبرراً لإغلاق الأبواب في وجه الفارين من الموت؟ منذ متى كان الخوف من “التغيير الديموغرافي” ذريعة مقبولة للتنصل من أبسط واجبات التضامن الإنساني؟
اللافت أن هؤلاء النازحين أنفسهم لم يختاروا المجيء إلى الشمال. لقد أجبروا على مغادرة مناطقهم بسبب القتل والترويع وحرق قراهم. لم يأتوا بحثاً عن “تغيير ديموغرافي” أو “تهديد للتوازن الاجتماعي”، بل جاؤوا لأن الموت كان يطاردهم في بيوتهم، ولأن النجاة بأرواحهم وأرواح أطفالهم كانت الخيار الوحيد المتبقي.
ثمة مفارقة عميقة في الموقف الذي يقول لمواطن سوداني من دارفور أو كردفان: “أنت لا تشبهنا”. فأي “شبه” هذا الذي نبحث عنه في وطن يفترض أن يجمعنا جميعاً تحت راية واحدة؟ وهل يحتاج المواطن إلى شهادة “شبه” ليمارس حقه الطبيعي في العيش بأمان داخل حدود بلاده؟
في اي بقعة منها كانت؟.
لقد نبهت حكومة إقليم دارفور، في بيانها الصادر عقب الأحداث، إلى أن ما يتعرض له النازحون من مضايقات أو محاولات إقصاء “يُعدّ امتداداً لمخطط خبيث يستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي السوداني”، مضيفة أن هذا النهج “يشبه ما دأبت عليه قوات الدعم السريع في تأجيج الصراعات القبلية، وبث خطاب الكراهية والانقسام”. إنها ملاحظة جديرة بالتأمل: حين تتبنى المجتمعات المحلية الخطاب الإقصائي نفسه الذي تمارسه الميليشيات، فإنها بذلك تصبح، عن وعي أو عن غير وعي، شريكة في المشروع نفسه، مشروع تقسيم السودان إلى كانتونات قبلية ومناطقية مغلقة.
ثمة من يقول إن المذكرة عبّرت عن رأي “أصحاب الأرض”، وإن من حق أي مجتمع محلي أن يبدي رأيه في التغييرات السكانية التي تطرأ على منطقته. لكن هذه الحجة تفترض، ضمناً، أن هناك “أصحاب أرض” و”غير أصحاب أرض” داخل الوطن الواحد، وأن المواطنة السودانية ليست كافية بذاتها لتخويل المرء حق العيش في أي بقعة من بقاع السودان. إنها حجة بائسة ضعيفة.
ووسط هذا الجدل المحتدم، صدرت أصوات تحاول تذكير الجميع بأن ما حدث في دلقو لا يمثل كل أهل الولاية الشمالية. فقد أكد كثيرون من أبناء المنطقة أنهم فتحوا بيوتهم قبل أن تُطرق أبوابهم، ووقفوا مع النازحين من كردفان ودارفور “من منطلق إنساني وأخلاقي ما بننكره ولا بنتراجع عنه”. كما أشار نازحون إلى أن سكان الولاية الشمالية استقبلوهم بصدر رحب، وأن ما حدث تقف وراءه “مجموعة محدودة” لا تمثل عموم أهل المنطقة.
المطلوب اليوم ليس فقط إدانة خطاب الكراهية، بل بناء سياسات وطنية واضحة لإيواء النازحين، توزع الأعباء بشكل عادل بين مختلف الولايات، وتوفر الموارد اللازمة للمجتمعات المضيفة حتى لا تشعر بأنها تتحمل العبء وحدها. المطلوب أيضاً تفعيل القوانين التي تجرم خطاب الكراهية والتحريض العنصري، بحيث لا يمر أي خطاب إقصائي دون مساءلة قانونية، بغض النظر عن المكان الذي يصدر منه.
وقبل ذلك وبعده، المطلوب مراجعة ثقافية عميقة لطريقة تعاملنا مع بعضنا البعض كسودانيين. فما لم ننجح في بناء وطن يتسع لجميع أبنائه، بكل تنوعهم واختلافاتهم، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الحروب والنزوح والإقصاء، حتى لا يتبقى من الوطن سوى اسمه، ومن أبنائه سوى غرباء في أرضهم.
وفي النهاية، فإن ما يجري في دلقو ليس مجرد سؤال عن النازحين، بل سؤال عن السودان الذي نريده: سودان يتسع للجميع، أم سودان يضيق بأهله حتى يلفظهم واحداً تلو الآخر؟
نقطة سطر جديد.
