منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

✍ ياسر محمد محمود البشر  ​أدركوا الخدمة المدنية قبل تنفيذ القرار إن كان صحيحاً

0

✍ ياسر محمد محمود البشر

 

​أدركوا الخدمة المدنية قبل تنفيذ القرار إن كان صحيحاً

 

​أثار القرار الأخير المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، والمنسوب لوزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح، والقاضي بتشكيل لجنة فنية لدراسة وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية الذين لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر بهدف تقليص وظائفهم، موجة عارمة من القلق والجدل في الأوساط السياسية والإدارية. فإن صح هذا التوجه وصح صدوره رسمياً، فهو لا يمثل مجرد إجراء إداري عابر لتخفيف العبء المالي عن خزينة الدولة، بل هو مؤشر خطير على نهج متسرع قد يعصف بما تبقى من هيكل الخدمة المدنية في السودان، والتي ظلت تعاني أصلاً من تصدعات هيكلية تراكمت عبر العقود الماضية. وإن المحاولة الراهنة للالتفاف على شروط المعاش المبكر المنصوص عليها قانوناً، والسعي وراء تقليص عشوائي لعدد العاملين بالدولة تحت لافتة الإصلاح الإداري، تكشف عن غياب الرؤية الاستراتيجية الشاملة؛ فالخدمة المدنية ليست مجرد أرقام في ميزانية الرواتب يمكن شطبها بجرة قلم، بل هي العمود الفقري لإنفاذ سياسات الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين، والمساس بها خارج أطر القانون واللوائح المنظمة يعزز حالة عدم الاستقرار الوظيفي، ويدفع بالبلاد نحو مزيد من الانهيار المؤسسي.

​إن مصير هذا القرار -إن كان صحيحاً وتم اعتماده- لن يختلف كثيراً عن مصير قرارات سابقة ومثيرة للجدل للوزير نفسه، وعلى رأسها القرار الخاص بتخصيص نسبة 10% من جملة جباية ديوان الزكاة الاتحادي لصالح إقليم دارفور؛ ذلك القرار الذي جوبه بعقبات قانونية وفقهية وانتقادات حادة لمخالفته صريح قانون الزكاة الذي يحدد مصارف شرعية واضحة لا يجوز تجاوزها للاستغلال السياسي أو الجهوي، مما جعل الخطوة تتعثر في مهدها دون تحقيق أي أثر ملموس سوى تعميق الانقسامات. ووجه الشبه بين القرارين يكمن في تغليب العاطفة السياسية أو المواءمات المرحلية على حساب المؤسسية والقانون، وتخصيص موارد قومية كأموال الزكاة لإقليم محدد دون غيره يخلق حالة من الغبن القومي ويهدد التماسك الاجتماعي، تماماً كما تفعل التوصية المرتقبة للجنة الفنية الجديدة التي قد تطيح بآلاف الموظفين وتشردهم في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد دون الاستناد إلى معايير الكفاءة أو الحاجة الفعلية للمرفق العام، مع الوضع في الاعتبار أن القرارات التي تفتقر إلى الدراسة العميقة والغطاء القانوني المتين لا تورث سوى الفوضى الإدارية وتعميق الأزمات المعيشية للمواطن.

​يتعاظم التخوف من أن تكون هذه الخطوة بمثابة آخر مسمار يُدق في نعش الخدمة المدنية السودانية، تلك الخدمة التي كانت يوماً ما مضرباً للأمثال في الانضباط والمؤسسية على مستوى المحيط الإقليمي؛ فالاستغناء عن الكوادر البشرية بطرق ملتوية يتنافى مع تطلعات السودانيين في بناء دولة المؤسسات وسيادة حكم القانون، ويفتح الباب واسعاً أمام التمكين العكسي وتصفية الحسابات السياسية تحت غطاء التقليص الفني. علاوة على ذلك، فإن الآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على هذا التوجه ستكون كارثية بكل المقاييس؛ فالسوق السوداني المنهك لا يمكنه استيعاب الآلاف من المسرحين من الخدمة المدنية والذين سيتحولون مباشرة إلى رصيف البطالة، مما يعقد المشهد الأمني والاجتماعي، كما أن إضعاف الجهاز التنفيذي للدولة في هذا التوقيت الحرج يحرم البلاد من الكفاءات القادرة على إدارة ملفات الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد الأزمات.

​تتطلب الحكمة الإدارية اليوم إيقاف مثل هذه التوجهات فوراً، وإخضاع ملف الخدمة المدنية لمؤتمر قومي جامع يشارك فيه خبراء الإدارة والاقتصاد والقانون، بدلاً من تركه لقرارات وزارية أحادية الجانب. إن إصلاح الدولة يبدأ من بسط الشفافية واحترام القوانين المنظمة للعمل، وليس عبر لجان حصر وتصنيف تثير الوجل وتزعزع الثقة بين الدولة وموظفيها. ويتعين على مجلس الوزراء والجهات الرقابية التدخل العاجل لمراجعة مسار هذه القرارات وتقييم جدواها ومطابقتها للقوانين السارية؛ فالوطن لا يحتمل مزيداً من الهزات الارتدادية في بنيته التحتية البشرية، وحماية الخدمة المدنية وصونها من التسييس والعبث الإداري هي خط الدفاع الأخير لمفهوم الدولة السودانية الموحدة والمستقرة.

​نــــــــــــص شــــــــــــوكة

​أتمنى صادقاً أن يخرج علينا وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وينفي صدور هذا القرار الكارثي، ومثل هذه القرارات تحمل في باطنها بذرة فناء الخدمة المدنية مع سبق الإصرار والترصد.

​ربــــــــــع شـــــــوكة

​إن صدر هذا القرار أو كان مزوراً، أدركوا الخدمة المدنية في السودان، فقد أصبحت (أمها ميتة وأبوها في الزرع وحبوبتها عمياء وطرشاء).

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.