*الحكم على رشان أوشي .. قراءة تفكيكية في مواقف الرأي العام و الوسط الصحفي* *رصد : الشاذلي حامد المادح*
*الحكم على رشان أوشي .. قراءة تفكيكية في مواقف الرأي العام و الوسط الصحفي*
*رصد : الشاذلي حامد المادح*

يقدم هذا التقرير قراءة تفكيكية و عقلانية لملابسات قضية الساعة في الوسط الإعلامي السوداني و المتمثلة في الحكم القضائي الصادر من محكمة جرائم المعلوماتية ببورتسودان في الإثنين 18 مايو 2026م بحق الصحفية رشان أوشي و الذي قضى بسجنها عاماً واحداً و تغريمها 10 ملايين جنية إثر إدانتها بتهم التشهير و إشانة السمعة بموجب المادتين (25) و (26) على خلفية نشرها إتهامات بالفساد المالي ضد ضابط (المقدم معاش عبد المطلب محمد أحمد) دون تقديم مستندات تثبت ذلك قانوناً أمام المحكمة .
ينأى هذا التحليل عن الإنطباعات السطحية أو الإصطفافات التقليدية ليقدم رؤية هيكلية قائمة على إستقراء و تصنيف عشرات المقالات و المواد التحليلية التي كُتبت حول القضية و التي تنوعت هويات أصحابها بين ثلاثة تيارات رئيسية :
* خبراء قانونيون و حقوقيون .. تبنوا لغة المأسسة و ضبط الإجراءات الجنائية و الإنتصار لسلطة القضاء .
* كُتّاب و صحفيون .. ركزوا على نقد المنهج المهني و مخاطر غياب الإحتراز اللغوي و أزمة تضارب القوانين .
* قيادات عسكرية و رموز مجتمعية .. تحدثوا بمنطق الإسناد الحربي و الحصانة الوطنية و تقاطع العقوبة مع الحاسة الأخلاقية و الأعراف السودانية .
إن ما نقدمه ليس رصداً للأراء بل هو تحقيق في (مصفوفة الأزمات) التي فجرتها هذه القضية من خلال خمسة محاور جوهرية :
*من الصحافة إلى النشاط الرقمي .. أزمة الهوية المهنية*
أثار الكُتّاب قضية لافتة تتعلق بمفهوم الصحفي في العصر الرقمي ، فلم تعد المعركة حول مادة منشورة في صحيفة ورقية تخضع لـ “حارس البوابة” (رئيس التحرير ، المستشار القانوني للمؤسسة) بل أصبحت المواجهة مباشرة بين الصحفي كـ “فرد” و الجمهور عبر منصات التواصل الإجتماعي :
* الثغرة المهنية .. أشار صوت العقل في المقالات إلى أن إنتقال الصحفي إلى الفضاء الرقمي جعله يقع في فخ (عقلية الناشط) الساعي للتصفيق الفوري و “الترند” مما أدى إلى غياب الإحتراز اللغوي و القانوني .
* المسألة المغيبة .. طُرحت مسألة غاية في الأهمية و هي أن الصحفي المحترف يجب أن يمتلك لغة دقيقة و مسؤولة تعتمد صيغ التشكيك و الإشتباه (مثل: متهم بـ ، يُعتقد ، لإتهامه بالضلوع) دون الجزم بالإدانة قبل صدور حكم قضائي .. غياب هذه الثقافة جعل الأقلام تقع بسهولة في فخاخ لغوية تقود مباشرة إلى قفص الإتهام .
*تصفية الحسابات بالوكالة و أزمة الجسد الصحفي*
كشفت المواد المكتوبة عن شقاق عميق و أزمة تضامن مهني داخل الوسط الصحفي نفسه ، حيث تحولت القضية إلى ساحة لتصفية حسابات قديمة و متجددة عبر مظهرين خطيرين :
* فخاخ المعلومات المتبرع بها .. حذر صحفيون عقلانيون من خطورة تحول الصحفي الإستقصائي إلى أداة في يد أصحاب المصالح أو مراكز القوى داخل أجهزة الدولة .. فالصحفي يمتلك مصادر تمده بملفات حساسة ، لكن الإشكال يكمن في مدى قدرته على التحقق منها بشكل مستقل بدلاً من النشر الفوري الذي يخدم أجندة طرف ضد آخر ، ليجد الصحفي نفسه في النهاية وحيداً خلف القضبان بينما يتوارى (المصدر الفعلي) عن الأنظار .
* المشاحنات البينية .. ظهر في الرأي العام تيار صحفي مضاد لم يكتفِ بتأييد الحكم ، بل ذهب إلى “شيطنة” المنهج الصحفي للزميلة و وصفه بـ “التصعيد العشوائي” ، مما يعكس غياب ميثاق الشرف المهني الحامي للجسم الصحفي ككتلة واحدة .
*التناقض التشريعي و “ذبح” قانون الصحافة*
هذه واحدة من أخطر المسائل التي ناقشها الوسط الإعلامي و القانوني و تتعلق مباشرة ببيئة العمل و مستقبل الحريات :
* الإلتفاف القانوني .. هناك قانون خاص و مستقر و هو (قانون الصحافة و المطبوعات) الذي يعطي حصانة نسبية للصحفي و يمنع حبسه أحتياطياً أو سجنه في قضايا النشر .. لكن الثغرة الخطيرة التي يمر عبرها الشاكون اليوم هي “قانون جرائم المعلوماتية” (المادتين 25 و 26) .
* الخطورة الدستورية .. إعتبر الزملاء أن ملاحقة الصحفيين بقوانين صُممت في الأصل لمكافحة القرصنة و الإرهاب الإلكتروني هي بمثابة رصاصة رحمة على قانون الصحافة .. هذا التضارب التشريعي (أن يحميك قانون و يجرمك أخر على نفس الفعل لأنك غيرت الوسيط من الورق إلى الشاشة) يخلق مناخاً من الرقابة الذاتية المرعبة ، حيث يصبح الخوف هو المحرك الأساسي للكتابة .
*غياب الشفافية الإجرائية و معضلة حماية المصادر*
طرحت الأقلام العقلانية تساؤلات بالغة الحساسية تمس جوهر “العدالة العادلة” في ظل الظروف الإستثنائية التي تمر بها البلاد :
* غموض الحيثيات .. نُشر خبر العقوبة مبتوراً (عام سجن و 10 ملايين جنية) دون توضيح الحيثيات أو اسم المحكمة و القاضي ، مما فتح الباب للشائعات حول طبيعة المحكمة و ما إذا كانت توفر كامل ضمانات الدفاع ، أم أنها محاكم بواجهات جديدة .
* تصادم المبادئ .. إصطدمت العدالة بمبدأ صحفي مقدس و هو (عدم كشف المصدر) .. المحكمة إعتبرت عدم كشف المصدر عجزاً عن إثبات التهمة و الصحفية إعتبرت كشف المصدر انتحاراً مهنياً .. هذا الصدام يثبت أن المنظومة القضائية تحتاج إلى مراجعة تضمن التوازن بين حق الأفراد في حماية سمعتهم و حق الصحفي في حماية مصادره الإستقصائية .
*تقاطع القانون مع الحاسة الأخلاقية و الأعراف السودانية*
خارج السياق المهني و القانوني فككت المقالات بعداً سسيولوجياً (اجتماعياً) حرجاً في ثقافة المجتمع السوداني :
* عقدة الخصومة مع إمرأة .. عبّر قادة ميدانيون و عسكريون عن شعور بالضيق من رؤية رجل (خاصة بخلفية عسكرية) يقف كتفاً بكتف في المحكمة خصماً ضد امرأة ، مهما كان حجم التجاوز .. هذا الإتجاه يوضح أن المجتمع و رغم إحترامه للقانون لا يزال يحتكم لـ “حاسة أخلاقية” ترى في سجن النساء عيباً إجتماعياً .
* “الجودية” كبديل للعدالة الردعية .. أجمعت الأصوات العاقلة على أن السجون في تاريخ السودان لم تحسم خصومة سياسية أو إعلامية بل صنعت رموزاً .. و من هنا تم طرح مسألة “العفو عند المقدرة” و تفعيل “الجودية” و الإعتذار المعنوي هو المخرج الوحيد الذي يحقق هدفين : يرد إعتبار الضابط الشاكي أمام المجتمع (و هو ما حققه له الحكم فعلياً) و يصون اللحمة الإجتماعية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى وحدة الجبهة الداخلية .
*رؤية إستشرافية ..*
يخلص هذا التحليل إلى أن قضية رشان أوشي ليست أزمة فردية ، بل هي أزمة نسق كامل .. نسق صحفي يحتاج إلى ضبط أدواته اللغوية و التوثيقية و نسق تشريعي يعاني من التضارب و التغول و نسق إجتماعي و سياسي يحاول فرض قيم “الشهامة و العفو” فوق نصوص القانون الجافة .
إن المخرج الحقيقي لصالح الحرية و العدالة يبدأ من إصلاح هذه التقاطعات الهيكلية و ليس فقط من إطلاق سراح صحفية أو إدانتها .
