مقامات الأوابين عوض الخليفة
مقامات الأوابين
عوض الخليفة

في الهياكل الإدارية الحديثة وعالم الشركات الرأسماليةكما في مواقع التواصل الاجتماعي؛ ثمة لهاث لا يهدأ خلف الاعتراف البشري.
سباقٌ محموم لجمع التقييمات، وخطابات التوصية، وشهادات التزكية، وكلمات التقريظ، وأوسمة “موظف الشهر”، ورسائل الثناء من مدير متقلب المزاج، وعدّادات الإعجاب على الصور والمنشورات، والتعليقات التي تمطر صاحبها بعبارات الإطراء وشعارات الحب والتقدير.يقضي الإنسان سنوات من عمره وهو يطارد إشادةً يصنعها البشر، ويستهلك أعصابه في انتزاع كلمة استحسان قد يتراجع عنها صاحبها غدًا، أو لقب ينتهي أثره بمجرد أن يُنزَع من على الجدار، أو آلاف الإعجابات التي يبتلعها النسيان مع المنشور التالي.
كأننا أصبحنا نعيش عطشًا دائمًا إلى الاعتراف البشري، متوهمين أن التقييمات، والتزكيات، والتقريظات، والتصفيق = هي التي تحدد قيمة الإنسان ومقامه.
لكن القرآن يأخذ هذا الشغف الإنساني القديم، ويعيد توجيهه من خلال سورة ص إلى الجهة الوحيدة التي يستحق أن يتجه إليها…
مراد الله ومرضاته..
فإذا كان الناس يتنافسون على كلمة ثناء من بشر، فإن سورة ص تفتح أمامك سجلًا آخر كاملًا من ألفاظ التشريف…
لكن المصدر مختلف هذه المرة..
إنها التشريفات الإلهية حيث لا يظل السؤال: من صفق لك ولا: من زكّاك ولا: أيُّ لقب منحك الناس..
ولكن السؤال حينئذ يتحول إلى: هل وجدك الله في مكان ومقام يثني عليك فيه؟إن المقامات هنا لا تعترف بأرقام الأرصدة، ولا تكترث بمساحات المكاتب.التقييم الأعظم يصدر من الخالق جل جلاله، وتتجسد التزكية المطلقة في وسام شرفي من كلمتين..
﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ﴾. هذه السورة هي معرض حصري للمقامات الشاهقة والهمم الاستثنائية.
الكلمات فيها تضيء لتبرز ألفاظ التشريف التي خُلعت على صفوة البشر بتفصيل يذيب القلوب.
تتألق أولى أوسمة التشريف مع داود عليه السلام.
نبي أوتي الملك وفصل الخطاب، لم يُمجد باتساع جيشه، بل دُمغت صحيفته بهذا الوسام: ﴿ذَا ٱلۡأَیۡدِۖ إِنَّهُۥۤ أَوَّابࣱ﴾.
القوة العارمة (الأيد) تمتزج بالرجوع الدائم للخالق والأوبة المستمرة ويُتوج هذا التقييم بشهادة القرب الخالدة: ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابࣲ﴾.
منزلة قريبة ومقعد صدق لا يزول.
ثم ينتقل السجل إلى ولده سليمان عليه السلام؛ ملك متوج يتربع على عرش أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ، تخدمه الجن وتأتمر بأمره الريح.
ثم يأتيه التشريف الإلهي الخالص: ﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُۖ إِنَّهُۥۤ أَوَّابࣱ﴾.
وتُختم صحيفته بذات التشريف المضيء: ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابࣲ﴾.
والمفارقة أن تُمنح التزكية ذاتها، وبنفس الأحرف، لأيوب عليه السلام؛ مريض وحيد جُرد من ماله وولده وعافيته، وتآكل جسده.
قمة الرخاء المطلق مع سليمان، و العجز التام مع أيوب، التقيا عند وصف واحد ينسف معايير الأرض ويشخص بدقة عافية الروح: ﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُۖ إِنَّهُۥۤ أَوَّابࣱ﴾.
”الأواب” هو صاحب البوصلة الحساسة التي لا تخطئ وجهتها أبداً.
النعمة لا تطغيه فينسى المنعم، والنقمة لا تيأسه فيكفر بالرحمة.
قلبه وكتر مشدود يعود دائماً إلى نقطة الأصل مهما تباعدت به المسافات.
وتكتمل لوحة الأوسمة بذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب، بوصف يجمع المجد من أطرافه: ﴿أُو۟لِی ٱلۡأَیۡدِی وَٱلۡأَبۡصَـٰرِ﴾.
قوة عارمة في الحركة والتنفيذ، تقابلها بصيرة نافذة في الفهم والنظر.
لقد حازوا هذا التوازن النادر لأن أرواحهم صُفيت بعملية تنقية عظيمة: ﴿إِنَّاۤ أَخۡلَصۡنَـٰهُم بِخَالِصَةࣲ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ﴾ وبها نالوا الخاتمة التي تليق بهم: ﴿وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَیۡنَ ٱلۡأَخۡیَارِ﴾.
يا له من لفظ وياله من تشريف
اصطفاء
وخيرية
ومن المزكي؟
رب العالمين جل جلاله..ثم يمتد الاصطفاء ليطول صفوة أخرى التزمت ذات المحجة: ﴿وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَـٰعِیلَ وَٱلۡیَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلࣱّ مِّنَ ٱلۡأَخۡیَارِ﴾.
اشتراك في معيار الشرف الأكبر..
الخير..
وَكُلࣱّ مِّنَ ٱلۡأَخۡیَارِ
على النقيض المظلم، ينهار مجرمو الدنيا في قعر الجحيم.
يتبادلون اللعنات، ويتلفتون بذهول قاهر باحثين عن بسطاء سخروا منهم يوماً: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالࣰا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ﴾.يغيب هؤلاء المستضعفون عن العذاب، لأن ميزان الخالق لا يقيم للمستكبرين وزناً، ويرفع من كان نكرة في الأرض إلى مقامات لا يدركها البصر.
الناس مقامات حقاً…
والخريطة واضحة..
فإما أن تكون أواباً تسبقك دمعتك وترفعك انكساراتك لتنال التزكية الخالدة..
أو تقيس بظنونك المخدوعة لتهوي مع المبعدين في هاوية ساحقة لا تقترب من المقام الذي يستحق السعي حقا..
المقام عند الله..
