منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

عندما يصبح ضابط الشرطة واليًا… قراءة في عوامل النجاح : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

0

عندما يصبح ضابط الشرطة واليًا…
قراءة في عوامل النجاح
✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

ليست الولاية منصبًا تشريفيًا، ولا الإدارة التنفيذية وظيفةً تُمارس من خلف المكاتب، وإنما هي مسؤولية وطنية تتطلب قيادة واعية، وخبرة متراكمة، وقدرة على فهم الإنسان قبل إدارة المكان. ولذلك فإن نجاح أي والٍ لا يرتبط بخلفيته المهنية وحدها، وإنما بما يمتلكه من كفاءة، وأمانة، ورؤية، وحسن إدارة.
ومع ذلك، فقد أثبتت تجارب عدد من الدول أن بعض ضباط الشرطة نجحوا في قيادة الولايات والمحافظات والمؤسسات التنفيذية، لأن طبيعة عملهم أمدتهم بخبرات ميدانية وإنسانية وإدارية قلما تجتمع في غيرها من المهن.
فالعمل الشرطي في مفهومه الحديث لم يعد مقصورًا على حفظ الأمن ومكافحة الجريمة، بل أصبح رسالة مجتمعية تقوم على حماية الحقوق، وتطبيق القانون، وإدارة الأزمات، والتواصل مع المواطنين، وبناء الثقة، والتنسيق مع مؤسسات الدولة والمجتمع. ولهذا يتلقى ضابط الشرطة تعليمًا أكاديميًا في القانون والإدارة والعلوم الجنائية والعلوم الاجتماعية وحقوق الإنسان، إلى جانب تدريب عملي مستمر في القيادة، والتخطيط، وإدارة الأزمات، والتفاوض، وحل النزاعات، والعمل بروح الفريق.
ثم تأتي سنوات الخدمة الميدانية لتمنح الضابط خبرة تراكمية واسعة، فهو يعمل بين الناس، ويقف على قضاياهم، ويستمع إلى شكاواهم، ويتعامل مع مشكلاتهم اليومية، ويشارك في إدارة الكوارث والطوارئ، ويكتسب قدرة على اتخاذ القرار في الظروف الصعبة. ومن يعمل في قلب المجتمع يكون غالبًا أقدر على فهم احتياجاته وتشخيص مشكلاته واقتراح الحلول الواقعية لها.
ولذلك فإن ما يناله ضباط الشرطة والقوات الأمنية من تعليم رصين، وتدريب متواصل، وخبرات ميدانية متراكمة، يجعل بعضهم مؤهلين لتولي المسؤوليات التنفيذية العليا، متى ما اقترنت تلك المؤهلات بالأمانة، والصدق، والنزاهة، والعلم الإداري، والرؤية الاستراتيجية، والقدرة على خدمة المواطنين.
ولعل التجربة المصرية تقدم نموذجًا للاستفادة من هذه الخبرات، إذ تولى عدد من المحافظين مناصبهم بعد مسيرة مهنية في الشرطة أو القوات المسلحة، اعتمادًا على ما اكتسبوه من مهارات في الإدارة والانضباط وإدارة الأزمات. ولا يعني ذلك أن النجاح حكر على هذه الفئة، وإنما يؤكد أن معيار الاختيار يجب أن يكون الكفاءة والقدرة على الإنجاز وتحقيق المصلحة العامة.
وفي ظل الظروف الأمنية والاستثنائية التي يمر بها السودان، فإن المرحلة تتطلب قيادات تنفيذية قادرة على إدارة الأزمات، وتوحيد الجهود، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، وبسط سيادة القانون، وتحقيق الأمن والاستقرار، مع احترام حقوق المواطنين. ولهذا ينبغي أن يكون اختيار الولاة والمسؤولين التنفيذيين قائمًا على معايير دقيقة، في مقدمتها الأمانة، والصدق، والكفاءة، والخبرة، والعلم الإداري، وحسن السيرة.
غير أن أهم ما يميز الوالي الناجح هو قدرته على كسب ثقة المجتمع، لأن السلطة وحدها لا تصنع النجاح، بينما تصنعه الثقة والتعاون والشراكة.
إن نيل ثقة المواطنين يبدأ بتواضع القائد، وقربه من الناس، وجلوسه معهم، والاستماع إلى آرائهم، ومحاورتهم باحترام، والوقوف على مشكلاتهم من الميدان، لا من خلف التقارير. فالوالي الذي يزور القرى والأحياء، ويجتمع بالشباب والمرأة والإدارة الأهلية والقيادات المجتمعية، ويستصحب المواطنين في التخطيط والتنفيذ، يكون أكثر قدرة على تشخيص الواقع وصناعة الحلول.
فالتنمية لا تُفرض بالأوامر، وإنما تُبنى بالمشاركة، والأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بالثقة، والاحترام المتبادل، والشعور بأن الدولة تسمع مواطنيها وتعمل من أجلهم. وعندما يتحول المواطن إلى شريك في صناعة القرار، يصبح شريكًا في حماية الأمن، وإنجاح التنمية، وترسيخ الاستقرار.
ومن هذا المنطلق، فإن اختيار الاخ الفريق محمد عبدالرحيم كافي واليًا لولاية جنوب كردفان يُنظر إليه بوصفه فرصة للاستفادة من خبرة مهنية طويلة، ومعرفة بطبيعة الولاية، إلى جانب ما يُعرف عنه من مهنية، وحسن خلق، واستقامة، وكونه أحد أبناء المنطقة، بما يمنحه فهمًا لخصوصيتها الجغرافية والاجتماعية والثقافية، وهو ما قد يعزز فرص نجاحه إذا اقترن بالعمل المؤسسي، والانفتاح على جميع مكونات المجتمع، وترسيخ قيم العدل والشفافية.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى المعيار الذي ينبغي أن تقوم عليه الولاية، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ : [القصص: 26].
فالقيادة الناجحة لا تُقاس بالمناصب، وإنما بالأثر الذي تتركه في حياة الناس، وبالقدرة على جمعهم حول مشروع يخدمهم، وبالعدل الذي يطمئنهم، وبالثقة
التي تجعلهم شركاء في البناء. ومن امتلك هذه الصفات، أيًّا كانت خلفيته المهنية، كان أقرب إلى النجاح وأقدر على خدمة وطنه ومجتمعه.
والله ولي التوفيق

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.