مؤسسات التكافل الاجتماعي… بين الإعلام بالرسالة والإعلام بالمحتاج د. الشاذلي عبداللطيف
مؤسسات التكافل الاجتماعي… بين الإعلام بالرسالة والإعلام بالمحتاج
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

لا تقاس قيمة المجتمعات بما تمنحه للمحتاجين، وإنما بما تحفظه لهم من كرامة.*
ليست الحاجة هي أقسى ما يمر به الإنسان، وإنما أن يشعر بأن حاجته أصبحت معروضة أمام الناس. فقد يجوع الإنسان فيجد من يطعمه، وقد يمرض فيجد من يداويه، وقد تضيق به الحياة فيجد من يسانده، لكن الكرامة إذا انكسرت لا يجبرها مال، ولا تعيد إليها توازنها آلاف المساعدات.
لهذا لم يكن الإسلام سباقا إلى إطعام الفقير فحسب، بل كان سباقا إلى صيانة إنسانيته. فالغاية لم تكن أن تصل المساعدة إلى يد المحتاج فقط، وإنما أن تصل دون أن تترك في نفسه شعورا بالمن أو الخجل أو الانكسار. فالإنسان في نظر الشريعة يبقى مكرما في كل أحواله، غنيا كان أو فقيرا، قويا أو ضعيفا، عاملا أو متقاعدا، مقيما أو نازحا. قال تعالى: *﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾*، فجعل الكرامة حقا أصيلا لا تمنحه المؤسسات ولا تنزعه الظروف.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل الإعلام، وتتنافس فيه المؤسسات على إبراز جهودها، يفرض سؤال نفسه بهدوء، لكنه يحمل في داخله أبعادا أخلاقية عميقة: هل نعلن عن رسالة الخير، أم نعلن عن أصحاب الحاجة؟
إن هذا السؤال لا يوجه إلى مؤسسة بعينها، ولا ينتقص من الجهود الكبيرة التي تبذلها دواوين الزكاة، والجمعيات الخيرية، والمؤسسات الوقفية، والمنظمات الإنسانية، وصناديق المعاشات، والنقابات، والمبادرات المجتمعية، بل هو دعوة للتأمل في الوسائل، لأن الرسالة العظيمة تستحق دائما الوسيلة الأجمل.
لقد أراد الإسلام أن يغير مفهوم العطاء من أساسه. فالزكاة ليست تفضلا من غني على فقير، وإنما نظام عدالة اجتماعية، يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويؤسس لعلاقة تقوم على التكافل لا على الإحسان المتعالي. ولهذا قال الله تعالى: *﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾*، فلم يسمه فضلا، ولم يجعله منة، وإنما سماه حقا.
ومن هنا جاءت الآية التي تعد من أعظم النصوص المؤسسة لأخلاق العمل الخيري: *﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾*. فالقضية هنا ليست المال، وإنما الإنسان. وليست قيمة الصدقة فيما تعطى، وإنما في الكيفية التي تعطى بها.
وقد اعتاد كثير من الناس أن يفهموا المن والأذى على أنهما كلمات تقال بعد تقديم المساعدة، بينما تغيرت صورهما في هذا العصر. فقد يكون المن صورة تلتقط لإنسان وهو يتسلم معونته، وقد يكون الأذى مقطعا مصورا ينتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، أو اسما يعلن، أو قصة خاصة تروى، أو دمعة تصور لتصبح مادة إعلامية يتداولها الناس.
ولا أحد ينكر أن مؤسسات التكافل الاجتماعي تحتاج إلى إعلام يبرز جهودها، فالشفافية ضرورة، وتعريف المجتمع بالمشروعات والبرامج والنتائج يعزز الثقة، ويشجع على استمرار البذل والعطاء. لكن هناك فرقا جوهريا بين الإعلام بالرسالة والإعلام بالمحتاج.
الإعلام بالرسالة يعني أن تتحدث المؤسسة عن برامجها، وأهدافها، وعدد المستفيدين، وحجم إنجازاتها، وأثرها في المجتمع، وأن تقدم تقاريرها المالية والإدارية بكل وضوح. أما الإعلام بالمحتاج، فيعني أن يتحول الإنسان نفسه إلى وسيلة لإثبات نجاح المؤسسة، وأن تصبح صورته أو اسمه أو تفاصيل معاناته جزءا من الخطاب الإعلامي.
إن الفرق بين الحالتين ليس لغويا، بل أخلاقي وحضاري. ففي الأولى يكون الإنسان غاية، وفي الثانية قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى وسيلة.
ولعل أكثر ما يحتاج إليه المحتاج ليس أن يعرفه الناس، وإنما ألا يضطر إلى أن يعرفوه. فالفقر ليس عيبا، لكنه أيضا ليس مشهدا ينبغي أن يعرض. والاحتياج ابتلاء من ابتلاءات الحياة، وليس بطاقة تعريف يحملها صاحبها أينما ذهب.
ومن أكثر الفئات التي تستحق هذه النظرة المتقاعدون، والمعاشيون، والأرامل، والأيتام، وذوو الإعاقة، والنازحون، وكل من دفعتهم ظروف الحياة إلى طلب العون. هؤلاء لم يفقدوا كرامتهم حين احتاجوا، ولم تتغير قيمتهم الإنسانية لأنهم أصبحوا بحاجة إلى دعم المجتمع. بل إن كثيرين منهم قدموا أوطانهم ومؤسساتهم سنوات طويلة من العمل والعطاء، ثم جاءت عليهم أيام احتاجوا فيها إلى من يقف إلى جانبهم.
ولذلك فإن النجاح الحقيقي لمؤسسات التكافل الاجتماعي لا يقاس بعدد الصور التي تنشر، ولا بعدد المقاطع التي تحقق مشاهدات عالية، وإنما بعدد الكرامات التي تحافظ عليها، وعدد الأسر التي تنتقل من دائرة الحاجة إلى دائرة الإنتاج، وعدد البشر الذين يشعرون أن المجتمع احتضنهم دون أن يكشف ضعفهم أمام الآخرين.
إن المجتمعات الراقية لا تفتخر بعدد الفقراء الذين صورتهم، وإنما بعدد الفقراء الذين لم يعد لهم وجود. ولا تقيس نجاحها بحجم ما وزعته من مساعدات، وإنما بحجم ما صنعته من كفاية واستقرار وكرامة.
ولهذا فإن مسؤولية كل مؤسسات التكافل الاجتماعي، أيا كانت مسمياتها، لا تقف عند إيصال المساعدة، بل تمتد إلى حماية خصوصية الإنسان، وصيانة مشاعره، واحترام تاريخه، لأن الإنسان قد ينسى قيمة ما أخذه، لكنه لا ينسى أبدا كيف عومل وهو في لحظة احتياجه.
ويبقى المبدأ الذي ينبغي أن يظل حاضرا في كل عمل إنساني: *أعلنوا عن الرسالة… ولا تجعلوا المحتاج هو الرسالة.* فالخير لا يحتاج إلى استعراض، والرحمة لا تحتاج إلى كاميرا، والعمل الذي يحفظ كرامة الإنسان هو وحده الذي يحقق مقاصد الشريعة، ويترك أثره في الأرض، وأجره عند الله
