منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
المخدرات.. الإمبراطورية السوداء التي تلتهم الأمم بقلم: حسبو علي بخيت إذا مات الرجال... بكتهم الأيام في رثاء المهندس اللواء مصطفى عبد الحفيظ حسبو علي بخيت على بلاطة عبير دفع الله عزالدين ✍️ تكتب: نواة الأمل في حقول الجنيد… مشروع التقاوي الذي يعيد للقصب ع... إحياء الحركة التعاونية في السودان (5) الإدارة الرشيدة في الجمعيات التعاونية من يملك القرار… حجم رأس ... وبرغم التوقع.. عبد المعزحسين مكابرابي التعليم الخاص ••جدلية التوازن المعرفي والتكريس الطبقي..!؟؟ من الهامش* ✍️ بشرى بشير رساله من مواطن بولاية سنار الي الفريق البرهان : (نحن والينا دايرنو) السوق الذي تحرسه الدولة... لا يخاف فيه المواطن د. الشاذلي عبداللطيف البعد_الاخر مصعب بريــر تعافي النظام الصحي بوابته التأمين الحلقة الأخيرة : خريطة الخروج — أن يكون ال... وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي السودان... والتحالف البحري الدفاعي إطلالة حكايات ود البرعي سيول ودمار للبيوت ..! توفيق جعفر

إذا مات الرجال… بكتهم الأيام في رثاء المهندس اللواء مصطفى عبد الحفيظ حسبو علي بخيت

0

إذا مات الرجال… بكتهم الأيام
في رثاء المهندس اللواء مصطفى عبد الحفيظ
✍️ حسبو علي بخيت


ما أقسى الموت حين يختار من الرجال أكرمهم سيرة، وأنقاهم سريرة، وأعظمهم أثراً! وما أشدَّ وحشة الدنيا حين تنطفئ فيها مصابيح كانت تهدي الحائرين، وتؤنس السائرين، وتزرع في النفوس طمأنينة اليقين.
ليس كلُّ راحلٍ يُبكيه الناس، ولكن بعض الرجال إذا غابوا أحسَّت الأمكنة باليُتم، وشعرت القلوب بالوحشة، وافتقدت المجالس نورها، لأنهم كانوا رجالاً من معدنٍ نادر، إذا حملوا الأمانة حفظوها، وإذا تقلدوا المسؤولية صانوها، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا خدموا الوطن لم ينتظروا جزاءً ولا شكوراً.
اليوم تقف سطور الثناء والمدح عاجزة عن إطالة قامتها، وتتوارى حروف النعي، لأن المقام مقام قامةٍ شامخةٍ من قامات السودان، ونقف في حضرة رجلٍ عاش كبيراً، ورحل كبيراً.
رحم الله المهندس اللواء مصطفى عبد الحفيظ، ذلك الرجل الذي جمع بين رجاحة العقل، ونقاء السريرة، وسمو الأخلاق، وصفاء الإيمان، فكان إذا تكلَّم أنصت الناس إليه، وإذا عمل أخلص، وإذا ابتسم أزال عن القلوب رهق الحياة، وإذا حضر ملأ المكان هيبةً وأنساً.
عرفناه رجلاً قرآنيَّ الروح، نبويَّ السمت، مستقيمَ النهج، يستمدُّ عزيمته من كتاب الله، ويقتبس هديه من سنة رسوله ﷺ، فلم تكن الأخلاق عنده شعاراً يُرفع، وإنما كانت سلوكاً يُرى، ولم يكن الإحسان عنده حديثاً يُقال، وإنما كان فعلاً يُمارس في صمتٍ وكتمان.
كان يقضي حوائج الناس خفيةً، ويستر المحتاج قبل أن يسأل، ويواسي المكروب قبل أن يشكو، ويجعل المعروف ديناً في عنقه، لا ينتظر عليه الثناءً والشكر، بل يرجو به وجه الله وحده.
ثم كانت ساحات العمل شاهدةً على عظمة عطائه، وفي المواقع التي اشتد فيها الابتلاء، ظل ثابتاً ثبات الجبال، لا يعرف التراجع، ولا يرضى بالحلول الناقصة، ولا يهدأ له بال حتى يؤدي واجبه كاملاً. كان يرى أن خدمة الوطن عبادة، وأن إتقان العمل أمانة، وأن حماية مقدرات البلاد رسالةٌ عظيمة يجب أن تؤدي بكل إخلاص.
ولما أصابته الإصابة في همشكوريب، لم ينظر إليها بعين الألم، وإنما نظر إليها بعين الرضا واليقين، وكان يقول مفتخراً إنها وسام شرف، لأنها وقعت في أرضٍ باركها القرآن وارتفعت فيها رايات الجهاد. فكانت جراحه أوسمة، وكانت معاناته عنواناً للصبر، وكان الابتلاء عنده سبباً في ازدياد عزيمته، فما وهن، وما ضعف، وما استكان، بل عاد أصلب إرادة، وأقوى شكيمة، وأشد تمسكاً برسالته.
ثم تقلد المسؤوليات تباعاً، حتى بلغ أرفع المناصب والدرجات، فلم تغيّره المناصب، ولم تُبدّل قلبه الكراسي، بل بقي كما عرفه الناس: متواضعاً إذا علا، قريباً إذا ابتعد غيره، لين الجانب، كريم الخلق، واسع الصدر، يجمع ولا يفرق، ويؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
وكان في علمه بحراً، وفي رأيه بصيرة، وفي فكره العقل الراجح الذي يدرك تفاصيل الأمور قبل وقوعها، ويقرأ المستقبل بعين الخبير، ويبتكر الحلول قبل أن تستعصي المشكلات، حتى غدا مرجعاً لأهل الاختصاص، وسنداً لزملائه، وشريكاً يعتمد عليه في أعقد المهام وأصعب المواقف.
أما في حياته الاجتماعية، فقد كان كما يكون المؤمن الصادق؛ باراً بوالديه، واصلاً لرحمه، محسناً إلى جيرانه، ملازماً للمسجد، عامراً قلبه بذكر الله، بشوش الوجه، حاضر الدعابة، يزرع الابتسامة حيث يحل، ويطفئ بنبل أخلاقه نار الخصومات، ويؤلف بين القلوب كما تؤلف الأمطار بين الأرض والحياة.
لقد كان ـ رحمه الله ـ من أولئك الذين إذا مروا بالأرض تركوا فيها أثراً، وإذا غابوا تركوا في القلوب كسراً، لأن أرفع الرجال مقاماً لا يُقاسون بطول أعمارهم، وإنما بعِظَم آثارهم، ولا تُوزن قيمتهم بما نالوا من مناصب، وإنما بما غرسوا من مبادئ، وما خلفوه من ذكرٍ حسن.
نم هادئاً أيها النبيل… فقد شهد لك الميدان بالإخلاص، وشهد لك الزملاء بالوفاء، وشهد لك الفقراء بالمعروف، وشهد لك المسجد بالطاعة، وشهد لك الوطن بأنك كنت من رجاله الأمناء.
رحلتَ، ولكن الرجال الصادقين لا يرحلون من ذاكرة الأوطان، ولا تمحو الأيام سيرتهم، لأن الأعمال الصالحة أبقى من الأعمار، ولأن الذكر الجميل حياةٌ ثانيةٌ لا تعرف الفناء.
رحم الله المهندس اللواء مصطفى عبد الحفيظ رحمةً تفيض بها السماوات والأرض، وجزاه عن وطنه وأهله وأمته خير الجزاء.
يُعد الفقيد من الكوادر الهندسية السودانية التي عملت في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، كما شغل مناصب قيادية في المؤسسات الأمنية ذات الصلة بالاتصالات.
عُيّن مديراً عاماً للهيئة القومية للاتصالات (الجهة المنظمة لقطاع الاتصالات والبريد في السودان).
عُرف بارتباطه بملفات تنظيم الاتصالات وأمن المعلومات والبنية التحتية لقطاع الاتصالات.
رحل المهندس اللواء مصطفى عبد الحفيظ وما رحل رجلٌ فحسب، بل رحلت معه صفحةٌ من صفحات الوفاء، وسِفرٌ من أسفار الإخلاص، ومدرسةٌ في الأخلاق، لا تُقرأ بالحروف، وإنما تُقرأ بالمواقف، ولا تُحفظ في السجلات، وإنما تحفظها القلوب.
كان من أولئك الرجال الذين لا تعرفهم الدنيا بآثارهم؛ يمشون في الأرض هوناً، فإذا غابوا ضجَّت لفقدهم القلوب، وبكتهم الأعمال قبل أن يبكيهم الرجال.
لقد كان ـ رحمه الله ـ رجلاً إذا رأيته ذكَّرك بالله سمته، وإذا جالسته تجد نفسك أمام مدرسة متفردة تتعلم منها الأدب والاحترام والمبادئ ودروس الانتماء والوطنية، وإذا عاملته علمت أن الأخلاق ليست كلماتٍ تُقال، بل نفوسٌ تُربى، وضمائرُ تُصان، وقلوبٌ تعرف ربها فتستحي أن تخون، أو تظلم، أو تتكبر.
استضاء قلبه بنور القرآن، وارتوى وجدانه من معين السنة، فكان لين الجانب، طلق المحيا، سمح اليد، قريب المجلس، بعيد الأذى. يطوي المعروف كما يطوي الليلُ ضياء النجوم، ويخفي الإحسان كما تخفي الأرضُ البذور، حتى إذا أثمرت أعماله، حسب الناس أن الخير نبت من تلقاء نفسه، وما علموا أن وراءه رجلاً يسمى المصطفى كان يعمل لله في صمت، ويزرع في الخفاء ليحصد غيره الثمار.
ثم مضى في ميادين العمل كما يمضي المؤمن إلى رسالته؛ لا يعرف الكلل، ولا يساوم في الأمانة، ولا يبتغي من الدنيا إلا أن يلقى الله وقد أدى ما عليه. كانت الاتصالات عند غيره صناعةً وتقنية، وكانت عنده أمانةً وسيادةً وحصناً للوطن، فأعطاها من عمره، ومن فكره، ومن راحته، حتى صارت جزءاً من روحه الطاهرة.
ثم تداولته المناصب، وما تداولته الأهواء. فكان إذا علا ازداد تواضعاً، وإذا قوي ازداد رحمة، وإذا مُكِّن ازداد إنصافاً، فلم يتبدل قلبه، ولم يتغير لسانه، ولم يعرف الناس فيه إلا الرجل الذي ألفوه؛ بشوشاً إذا لقي، حكيماً إذا استشير، عادلاً إذا حكم، أميناً إذا اؤتمن.
وكان واسع العقل، نافذ البصيرة، بعيد النظر، كأن الله أودع في فكره نوراً يهتدي به إلى مخارج الأمور قبل أن تضيق، وإلى مفاتيح الحلول قبل أن تستغلق. وكان إذا اختلف الناس جمعهم، وإذا تنازعوا أصلح بينهم، وإذا ادلهمت الخطوب أشرق في وجهها بثبات المؤمن الواثق بوعد ربه.
ولم يكن عظيماً في عمله وحده، بل كان عظيماً في إنسانيته. فما عرفه جارٌ إلا أحبه، ولا صاحبه رفيقٌ إلا أنس به، ولا جالسه حزينٌ إلا خرج من مجلسه وقد خفَّ عنه ما يجد. كانت ابتسامته صدقة، وكانت كلمته دواء، وكانت دعابته الرقيقة تنزع من القلوب أثقالها، كما ينزع النسيم حرَّ القيظ عن وجه الأرض.
وكان المسجد يعرف خطاه، كما يعرف العابد محرابه، وكان البر يعرف يديه، كما تعرف السحابة مواضع الغيث. فجمع الله له شرف العبادة، وشرف الخدمة، وشرف التواضع، وشرف الإحسان؛ وتلك خصالٌ إذا اجتمعت في رجلٍ رفعته عند الله، وإن توارى عن أعين الناس.
لقد أخذ الموت جسدك، ولكنه عجز أن يأخذ سيرتك. واحتضن التراب وجهك، ولكنه لم يوارِ ذكرك. فالرجال لا يعيشون بطول أعمارهم، وإنما يعيشون بطول آثارهم، ولا يخلدون بما جمعوا، وإنما بما أعطوا، ولا تبقى منهم القصور العوالي، وإنما تبقى القلوب التي أحبوها، والأيادي التي أمسكوها، والدموع التي مسحوها، والحقوق التي حفظوها.
سلامٌ عليك يوم وُلدت نقياً، وسلامٌ عليك يوم عشت وفياً، وسلامٌ عليك يوم رحلت راضياً مرضياً، وسلامٌ عليك يوم تُبعث حياً بين يدي أرحم الراحمين.
نسأل الله أن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يبدلك داراً خيراً من دارك، وأهلاً خيراً من أهلك، وأن يجزيك عن وطنك، وعن أمتك، وعن كل قلبٍ عرفك، خير ما يجزي به المحسنين.
رحمك الله يا مصطفى… فما كنت رجلاً مرَّ في الحياة، بل كنت حياةً مرَّت في الرجال.
يمضي الخيارُ وتنقضي آجالُهم
لكنَّ شمسَ صنيعِهم لا تغربُ
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.