البعد_الاخر مصعب بريــر عندما يُنصف المعلم.. يبتسم المستقبل ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
عندما يُنصف المعلم.. يبتسم المستقبل ..!
هل تأملت يوماً صمت معلم المدرسة وهو يطوي كراسات التلاميذ في نهاية اليوم؟ ذلك الصمت لم يكن تعباً جسدياً فحسب، بل كان ثقلاً لأسئلة معلقة لم تجد إجابة طوال عقود. أسئلة عن الكرامة، والرزق، وكيف يستطيع رجلٌ يحمل على عاتقه أمة كاملة أن يواجه متطلبات بيته الصغير في نهاية الشهر. في حوارينا ومجتمعاتنا، اعتاد الناس أن يمروا بجانب الأستاذ ويحيوه باحترام، دون أن ينتبهوا كثيراً إلى أن جيبه خاوٍ، وأن قدرته على الصمود أمام تكاليف الحياة أصبحت أشبه بالمعجزة.
ما يحدث اليوم باختصار ليس مجرد إعلان عن قرارات حكومية عابرة، بل هو محاولة لإعادة ضبط بوصلة كادت أن تضيع. فقد أصدر رئيس الوزراء د. كامل إدريس أربعة قرارات عاجلة تتصل مباشرة بشرط كرامة هذا الوطن: التعليم. القرارات شملت سداد متأخرات الأجور والبدلات اعتباراً من أغسطس 2026، والإنفاذ الفوري لمنشورات الخدمة، وإعفاء أبناء المعلمين من رسوم الامتحانات، وصولاً إلى الخطوة المحورية المتمثلة في مركزية مرتبات المعلمين بوزارة المالية بحلول يناير 2027. هذا ليس حديثاً عن رفاهية، بل عن معالجة جرح ينزف بصمت في قلب كل بيت سوداني.
قد يرى البعض في هذه القرارات مجرد معالجة مالية لطلب نقابي قديم، أو استجابة لضغوط معيشية أرهقت الجميع. فالنتيجة المباشرة والظاهرة هي أن هناك استقراراً نسبياً سيدخل بيوت المعلمين، وأن أسرهم ستتنفس الصعداء حين تُعفى من رسوم امتحانات الأبناء. لكن الأهم من تسديد الدين المالي، هو التغيير الهيكلي؛ إذ إن قرار مركزية المرتبات عبر وزارة المالية يقطع الطريق على تذبذب الحقوق بين الولايات، وينهي التفاوت الجائر الذي جعل معلم الولايات ينظر إلى حقوقه كأمل بعيد المدى، بينما زميله في المركز يحاول التدبر في حدود الممكن.
لكن ما لا يُرى للوهلة الأولى، هو أن الأزمة لم تكن يوماً أزمة أرصدة في بنك، بل كانت أزمة أولويات في دولة. حين يضطر المعلم إلى التفكير في وسيلة أخرى للرزق بعد المدرسة، أو يسير مسافات طويلة ليوفر قيمة المواصلات، فإن الخسارة لا تقع عليه وحده. انظر كيف تسللت هذه الضائقة من جيب المعلم لتهدم جدار الانضباط في الفصل، ثم تحولت إلى تدني مستوى الطالب، لنحصد اليوم أزمة وعي كان جذرها إهمال المعلم قبل سنوات. الاستقرار المعيشي للأستاذ ليس مكافأة، بل هو الخط الدفاعي الأول عن أمان المجتمع وتماسكه.
هذا المعلم هو نفس الرجل الذي يراه جاره في “الدكان” يراجع حسابه بحرج، وهو الأب الذي يفكر ملياً قبل أن يشتري لولده مستلزمات المدرسة. والإنصاف يقتضي القول إن ترحيب النقابة العامة للتعليم بهذه القرارات وتأكيد وزارة التربية على أولوية التعليم، لا يجب أن يتوقفا عند حدود البيانات الصحفية. الاختبار الحقيقي يتلخص في سؤال واحد: هل سيشعر المواطن في الميدان ب أثر هذا القرار؟ كيف سيؤثر ذلك على جودة الحصة التي يتلقاها طفله في المدرسة الحكومية؟
وهكذا، تتجمع الخيوط لتضعنا أمام لحظة مكاشفة صريحة. القرارات الأربعة ممتازة وضرورية، لكنها تذكرنا في الوقت نفسه بحجم التأخر الذي جعل استرداد الحقوق الطبيعية يبدو وكأنه إنجاز استثنائي. لقد وصلنا إلى المفترق الذي يجب أن نفهم فيه أن إصلاح المدارس لا يبدأ من طلاء الجدران، بل من طمأنة قلوب من يقفون أمام السبورة.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن الشرف الحقيقي لأي دولة لا يُقاس بضخامة ميزانياتها ولا بفخامة مبانيها الرسمية، بل بمنزلة المعلم في سلم أولوياتها. فالمال الذي يُستثمر في المعلم ليس إنفاقاً يُحسب في خانة الخسائر والمصروفات، بل هو زرع مباشر في عقل الطفل الذي سيقود البلاد غداً. ومتى ما أدركنا أن كرامة الأستاذ هي السقف الذي يستظل به الجميع، سنتوقف عن التعامل مع حقوقه كحزمة معالجات طارئة، ونبدأ في التعامل معها كأصل من أصول البقاء الوطني.
أخيرًا، التعليم ليس أثاثاً يمكن ترميمه عندما تتوفر الأموال الصافية، بل هو الهواء الذي يتنفسه المستقبل. والوطن الذي يستكثر على معلّمه لقمة عيش كريمة وحقاً مستحقاً، لا يُوفر مالاً كما يظن.. إنه فقط يتنازل عن مستقبله مجاناً.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
