منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

وأخيراً… في مكة يتحقق حلم الكواكبي تحالفٌ يجمع الشمل… ويوحّد الصف… ويوقظ في الأمة معنى القوة والكرامة بقلم : حسبو علي بخيت

0

وأخيراً… في مكة يتحقق حلم الكواكبي
تحالفٌ يجمع الشمل… ويوحّد الصف… ويوقظ في الأمة معنى القوة والكرامة
بقلم ✍: حسبو علي بخيت


مكة مدينةً من مدن الأرض التي لها رمزيتها وقدسيتها في وجدان الأمة الإسلامية إنها قبلة القلوب إذا اضطربت، ومهوى الأرواح إذا اغتربت، ومهبط المعاني إذا ضاقت بها العبارات.
وفي مكة، حيث تتجه الوجوه إلى قبلةٍ واحدة، وتتساوى الرؤوس في مقامٍ واحد، شاءت الأقدار أن يلتقي اليوم ما تفرّق بالأمس، وأن تجتمع إراداتٌ كانت تبدو متباعدة، وأن تتصافح أيادٍ تحمل في عروقها شيئاً من ثقل التاريخ وثقل الجغرافيا وثقل المستقبل.
هناك، في رحاب البلد الحرام، استضاف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، في مشهدٍ يتجاوز حدود البروتوكول، ويتخطى لغة المجاملات، ليقول للأمة العربية والإسلامية: إن القوة حين تتفرق تضيع، وحين تجتمع تُسمع وتُرى وتُحترم.
وما أعظمها من رسالة حين تصدر من مكة!
فقد طال على أمتنا زمنٌ كانت فيه الدول كثيرة، ولكن كلمتها قليلة؛ والثروات وفيرة، ولكن إرادتها فقيرة؛ والجيوش موجودة، ولكن التنسيق غائب؛ والمقدرات هائلة، ولكن القرار موزع بين العواصم والاتجاهات.
حتى أصبحنا أحياناً أمةً تملك من أسباب القوة ما يكفي لتغيير وجه التاريخ، لكنها لا تملك من وحدة الإرادة ما يكفي لتحريك حجرٍ في طريق المستقبل.
ثم جاءت مكة المكرمة…
جاءت لتقول إن الاختلاف لا يمنع الاتفاق، وتعدد الرؤى لا يلغي وحدة المصالح، وتباين السياسات لا ينبغي أن يتحول إلى تباعدٍ يبدد القوة ويستنزف القدرة.
وهنا يبرز دور الأمير محمد بن سلمان، لا بوصفه مضيفاً لهذا اللقاء فحسب، وإنما بوصفه صاحب رؤيةٍ تدرك أن الدول الكبرى لا تُبنى بكثرة الكلام، وإنما بتجميع عناصر القوة، وربط المصالح، وصناعة الشراكات، وتحويل الجغرافيا من خطوطٍ على الخريطة إلى جسورٍ بين الشعوب والدول.
لقد اختار مكة مكاناً للقاء؛ ومكة في ذاتها رسالة.
فما كان يمكن لمشهدٍ كهذا أن يجد له إطاراً أبلغ من مكة؛ حيث لا سلطان فوق سلطان الله، ولا قبلة غير القبلة، ولا معنى للصف إلا أن يستقيم، ولا قيمة للاجتماع إلا أن يكون اجتماعاً على غاية.
ومن مكة، بدا المشهد وكأنه يستدعي روح عبد الرحمن الكواكبي من صفحات التاريخ؛ ذلك الرجل الذي أرقه سؤال النهضة، وأوجعه داء الاستبداد، وأدرك مبكراً أن الأمة لا تُهزم حين يقل سلاحها، وإنما حين تفقد وعيها، وتتفرق كلمتها، وتتنازع إرادتها.
ولعل الكواكبي، لو أطل اليوم من نافذة التاريخ، لرأى في هذا اللقاء بذرةً من الحلم الذي طالما راوده:
أمةٌ تعرف أن لها وزناً، وأن لها مصالح، وأن لها حقاً في أن تكون رقماً لا هامشاً، وصاحبة قرار لا موضوعاً لقرارات الآخرين.
إن لقاء مكة هو إعلاناً بأن السلام لا يحميه الضعف، وأن السيادة لا تصان بالتمني، وأن الردع ليس رغبةً في القتال، وإنما قدرةٌ تجعل القتال آخر الخيارات.
فالدولة التي لا تستطيع حماية نفسها تُغري الطامعين بها، والأمة التي لا تجمع قوتها تجعل الآخرين يجمعون قوتهم عليها.
وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا نخجل من قولها:
إن القوة ليست عيباً إذا كانت لحماية السلام، وليست عدواناً إذا كانت لردع العدوان، وليست تهديداً إذا كانت تمنع التهديد.
ولذلك فإن اجتماع السعودية وتركيا وباكستان يحمل من الدلالات أكثر مما تحمله البيانات الرسمية.
السعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والاستراتيجي.
وتركيا بثقلها السياسي والعسكري والجغرافي.
وباكستان بثقلها السكاني والعسكري وموقعها الاستراتيجي.
ثلاث دول، وثلاث تجارب، وثلاث دوائر نفوذ، ولكن بينها مساحات واسعة من المصالح المشتركة.
وإذا اجتمعت المصالح، يمكن أن تتقارب المواقف؛ وإذا تقاربت المواقف، يمكن أن تتكامل القدرات؛ وإذا تكاملت القدرات، يمكن أن تولد قوةٌ لا تُستعمل لإشعال الحروب، وإنما لمنعها.
وهنا تكمن عظمة الفكرة.
فالردع الأقوى هو الذي يجعل الحرب غير ضرورية.
وما أحوج عالمنا العربي والإسلامي إلى هذا النوع من القوة؛ قوةٍ لا تبحث عن خصم، ولكنها لا تسمح لخصمٍ أن يبحث عنها؛ قوةٍ لا تستعرض عتادها، ولكنها لا تكشف ظهرها؛ قوةٍ تمد يدها للسلام، وهي قادرة على حماية تلك اليد.
يا أمة الإسلام…
أما آن لهذا الشتات أن ينتهي؟
أما آن لهذه الخلافات أن توضع في موضعها الطبيعي، فلا تتحول من اختلافٍ في الرأي إلى اختلافٍ في المصير؟
أما آن لنا أن ندرك أن الأمم لا تحفظ كرامتها بكثرة بيانات الشجب والاستنكار، وإنما بتوحيد المصالح، وتنسيق المواقف، وبناء القوة، وحسن إدارة الخلاف؟
لقد أكلت الخلافات من جسد الأمة ما لم تأكله الحروب.
وكم من فرصةٍ ضاعت لأننا اختلفنا عليها!
وكم من قوةٍ تبددت لأننا لم نحسن جمعها!
وكم من عدوٍ طمع فينا لأننا ظهرنا أمامه فرادى، بينما كان ينبغي أن نقف أمامه صفاً واحداً وجسدا واحد إذا اشتكى منه عضو تداعي لة سائر الجسد بالسهر والحمى !
ولذلك فإن صورة القادة الثلاثة في مكة
إنها صورة تقول إن الصف إذا استقام قوي، وإن الكلمة إذا اجتمعت علت، وإن اليد إذا اجتمعت بالأيدي استطاعت أن تبني ما تعجز عنه يدٌ واحدة.
وما أجمل أن يستعيد المسلمون معنى الجسد الواحد
فالجسد لا يترك عضواً ينزف، ولا يتفرج على عضوٍ يتألم، ولا يقول لعضوٍ آخر: تلك مشكلتك!
وهكذا ينبغي أن يكون معنى التضامن بين الدول والشعوب: أمناً مشتركاً، ومصالح مشتركة، ومستقبلاً مشتركاً.
والتحية، من هنا، إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي جعل من مكة مقاما رفيعا لهذا المشهد، ومن اللقاء مناسبةً لتذكير العالم بأن المنطقة ليست فراغاً سياسياً، وأن الأمة ليست جسداً بلا روح، وأن العالم العربي والإسلامي قادر، متى اجتمعت إرادته، على أن يصنع لنفسه مكاناً تحت شمس السياسة الدولية.
والأمير محمد بن سلمان (حفظه الله)، وهو يستضيف في مكة أردوغان وشريف، إنما يضع لبنةً في جدارٍ أكبر عنوانه الشراكة، والتكامل، والمصالح المتبادلة، والأمن المشترك.
أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإنه يأتي إلى مكة بثقل تركيا وتاريخها العريق وموقعها وتجربتها، وأما رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، فيحضر بثقل باكستان ومكانتها وقدراتها، لتلتقي عند البيت العتيق إراداتٌ سياسية مختلفة، ولكنها قادرة على أن تجد مساحةً مشتركة للمصلحة والأمن والاستقرار.
وهذا هو جوهر السياسة الرشيدة:
أن تعرف أين تختلف، دون أن تنسى أين تتفق.
فليس مطلوباً أن تصبح الدول الثلاث دولةً واحدة، ولا أن تتطابق سياساتها في كل ملف، وإنما المطلوب أن تتعلم كيف تجعل من الاختلاف جسراً لا خندقاً، ومن المصالح المشتركة باباً ومن التعاون قوةً لا تبعية.
ومن مكة، ينبغي أن تصل الرسالة إلى كل عاصمةٍ عربية وإسلامية:
اجتمعوا قبل أن يجتمع عليكم الآخرون.
وحّدوا مصالحكم قبل أن تتفرق مصالحكم.
نسّقوا قدراتكم قبل أن تُستنزف قدراتكم.
وابنوا قوتكم قبل أن يفرض عليكم الآخرون قوتهم.
إن العالم لا يحترم الضعفاء لأنهم ضعفاء، وإنما يحترم الأقوياء الذين يعرفون كيف يستخدمون قوتهم بعقلٍ وحكمة.
والأمة العربية والإسلامية ليست فقيرةً في الموارد، ولا قليلةً في البشر، ولا معدومةً في الموقع، ولا خاليةً من الكفاءات.
ولكن ما ينقصها، في كثير من الأحيان، هو تحويل الكثرة إلى قدرة، والقدرة إلى إرادة، والإرادة إلى قرار قوي يقهر المستحيل.
ولذلك فإن مكة اليوم ليست مجرد مكانٍ اجتمع فيه ثلاثة قادة.
إنها، في معناها الأوسع، نداءٌ إلى اجتماع الأمة حول مصالحها.
فمن مكة، حيث تستقيم الصفوف، نتعلم أن استقامة الصف قوة.
ومن مكة، حيث تتوحد القبلة، نتعلم أن وحدة الوجهة تصنع وحدة الطريق.
ومن مكة، حيث تلتقي القلوب، نتعلم أن اجتماع القلوب أسبق من اجتماع الأيدي.
وأخيراً…
لعل الكواكبي، لو كان بيننا اليوم، لما اكتفى بأن يبتسم.
ولربما قال: ها هي الأمة قد بدأت تسمع نفسها من جديد.
ليست هذه نهاية الطريق، ولا فتحاً مكتمل الأبواب، ولا وعداً بأن كل خلافات الأمة ستنتهي في يومٍ وليلة.
ولكن الأمم العظيمة لا تبدأ دائماً بالانتصار؛ إنها تبدأ بأن تعرف الطريق.
وقد يكون اجتماع مكة واحداً من تلك العلامات التي تقول إن الطريق إلى القوة يبدأ من كلمةٍ واحدة:
نتفق في مواجهة المخاطر التي تتربص بالعالم العربي والإسلامي .
ثم تتحول الكلمة إلى موقف.
والموقف إلى اتفاق.
والاتفاق إلى تعاون.
والتعاون إلى قوة.
والقوة إلى ردع.
والردع إلى سلام.
وهكذا، يا أهل مكة ويا أهل الأمة، يكون المجد.
ليس المجد أن نرفع أصواتنا، وإنما أن نرفع شأننا.
ليس المجد أن نهدد، وإنما أن نمتلك ما يمنع الآخرين من تهديدنا.
ليس المجد أن نحارب، وإنما أن نبني قوةً تجعل الحرب آخر المستحيلات.
ومن مكة…
حيث القبلة واحدة،
والصف واحد،
والدعاء واحد،
ينبغي أن يكون للأمة صوتٌ واحد حين تُمس كرامتها، وموقفٌ واحد حين تُهدد مصالحها، ويدٌ واحدة حين يحتاج بعضها إلى بعض.
فإن اليدين تتعاونان، ولكن الأيدي إذا اجتمعت صنعت البناء، وإذا تماسكت صنعت القوة، وإذا اتحدت صنعت التاريخ.
تحيةً لمكة المكرمة قبلة الإسلام ومهبط الوحي…
وتحيةً للقاء الذي جمع القادة…
وتحيةً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو يفتح في رحاب البلد الحرام نافذةً على أفقٍ جديد من التعاون والتكامل…
وتحيةً لتركيا وباكستان…
وتحيةً لكل خطوةٍ تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم، وتحمي السلام بالقوة، وتصون الكرامة بالحكمة.
فربما كان ما جرى في مكة اتفاقاً بين ثلاث دول… ولكن الحلم الذي ينبغي أن يولد منه أكبر من ثلاث دول.
إنه حلم أمةٍ تسترد وعيها…
وتجمع شملها…
وتوحّد صفها…
وتضمّد جراحها…
وتسترد شيئاً من عزتها وكرامتها وشموخها.
ومن مكة… يبدأ السطر لكتابة وإعادة قوة الدين الإسلامي.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.