منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الجيش السوداني.. 72 عاماً من السودنة وسداد فواتير السياسة د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.  

0

 

الجيش السوداني.. 72 عاماً من السودنة وسداد فواتير السياسة

 

د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.

 

تحتفل القوات المسلحة السودانية في 14 أغسطس بالذكرى الثانية والسبعين لـ”سودنة” قيادتها، وهي محطة فارقة في تاريخ الدولة الحديثة، جسدت لحظة انتقال السيادة العسكرية إلى أيادٍ وطنية خالصة، لكنها لم تكن نهاية لعقود من الصراعات التي راهن فيها الجيش لسد ثغرات سياسية عجزت عنها الحكومات ومؤتمرات الحوار.

يعود تاريخ الجيش السوداني إلى عام 1925، حين تأسست نواته الأولى تحت مسمى “قوة دفاع السودان”. لكن التحول الجوهري تحقق في العام 1954، عندما تمت سودنة القيادة، لتصبح القوات المسلحة أول مؤسسة وطنية تُدار بأيادٍ سودانية خالصة، تمهيداً للاستقلال الذي نُيل بعد عامين. في ذلك العام، تسلّم الفريق أحمد محمد حمد الجعلي راية القيادة، في مشهد حمل دلالات السيادة والاستقلال الوطني.

غير أن هذه اللحظة التاريخية، التي يُحتفى بها اليوم باعتبارها “نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة السودانية الحديثة”، لم تكن كافية وحدها لضمان الاستقرار. فالسودان، منذ استقلاله في 1956، غرق في نزاعات مسلحة متصلة، لم يشهد خلالها سوى 11 عاماً من السلام، وفقاً لتوثيق اتفاقية السلام الشامل.

بعد حرب أهلية طاحنة امتدت منذ عام 1955، تم التوقيع على اتفاقية أديس أبابا في 27 فبراير 1972 بين حكومة الخرطوم وحركة تحرير السودان (الأنيانيا). مثلت الاتفاقية منعطفاً مهماً، إذ منحت جنوب السودان حكماً ذاتياً، وأقرت بتباين الثقافات وحق الجنوب في تطوير لغاته وثقافاته المحلية.

نجحت الاتفاقية في وقف الحرب الأهلية مؤقتاً، وأسست تجربة فريدة للحكم الذاتي في أفريقيا. لكنها استمرت نحو عشرة أعوام فقط قبل أن تنهار في ظل توترات سياسية متصاعدة، واكتشاف النفط في الجنوب، وإعادة رسم الحدود الإدارية التي أثارت صراعاً على الموارد.

في مايو 1983، وبعد تمرد في حامية بور العسكرية، التحق العقيد جون قرنق بالجنوبيين المتمردين. كان قرنق قد أُرسل في الأصل لإخماد تمرد كتيبة جنوبية قوامها 500 جندي، لكن المتمردين أقنعوه بعدالة قضيتهم ونصبوه زعيماً لهم.

انطلقت بذلك الحرب الأهلية السودانية الثانية، التي استمرت 22 عاماً وأسفرت عن مقتل أكثر من مليوني شخص، ونزوح أربعة ملايين، ولجوء نحو 600 ألف إلى الدول المجاورة. كانت الحرب تدور حول النزاع على الموارد والسلطة ودور الدين في الدولة وتقرير المصير.

في فبراير 2003، اندلع نزاع مسلح في إقليم دارفور، عندما ثارت حركتا تحرير السودان والعدل والمساواة ضد النظام المركزي، متهمتين إياه بالتهميش. تحول النزاع إلى حرب عرقية معقدة، قدرت الأمم المتحدة ضحاياها بـ 300 ألف قتيل. جاءت حرب دارفور لتؤكد أن الأزمة السودانية لم تعد مقتصرة على صراع الشمال والجنوب، بل امتدت لتشمل أقاليم غربية.

في يناير 2005، تم التوقيع على اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) بين حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق. أنهت الاتفاقية أطول حرب أهلية في أفريقيا، وأسست لهندسة دستورية جديدة وتقاسم للسلطة والثروة.

لكن السلام لم يكن شاملاً. فدارفور ظلت مشتعلة، والنزاعات في شرق السودان وجبال النوبة لم تُحسم. الأهم أن الاتفاقية مهّدت الطريق لانفصال جنوب السودان في 2011، تاركة السودان في صراع هوية وهوية جديد.

على امتداد هذه العقود، ظل الجيش السوداني يسدد فواتير أخطاء سياسية عجزت عن حلها ثلاث حكومات ديمقراطية وأكثر من 50 مؤتمر حوار سوداني، داخل البلاد وخارجها. فشلت هذه المحاولات في معالجة جذور الأزمة: إشكالية بناء الدولة في بلد متنوع عرقياً وثقافياً، وصراع المركز والأطراف، وتداخل الدين والسياسة.

اليوم، تتجدد الدعوات إلى مؤتمر جديد، لكن الظروف هذه المرة أكثر تعقيداً: حرب مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وانقسام سياسي حاد، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة. فشلت مشاورات أديس أبابا الأخيرة في التوصل إلى موقف موحد بسبب التباينات الحادة بين الفرقاء.

في تقديري، تؤكد الحروب التي يخوضها الجيش أنه جيش منضبط يؤدي واجبه الدستوري في حماية البلاد. لكن الأزمة السودانية تفتقد رؤية استراتيجية تستصحب تاريخ الدولة وجغرافيتها، وهذا أساس المشكلة.

فالسودان، بموقعه الجيوسياسي الحساس وتنوعه البشري الهائل، يحتاج إلى مشروع وطني جامع يتجاوز الحسابات الفئوية والانقلابات والمؤتمرات الاستهلاكية. جيش منضبط وحده لا يكفي لصنع السلام؛ بل يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، ورؤية تنموية عادلة، ومصالحة تاريخية تعترف بأخطاء الماضي، وإلا ستظل الذكرى السنوية للسودنة مجرد احتفال شكلي، بينما تبقى الدولة رهينة لدورة عنيفة من الصراع والدمار.

نقطة سطر جديد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.