على بلاطة عبير دفع الله عزالدين تكتب: زفة المولد.. حين تضيء مدن السودان بذكرى الحبيب
على بلاطة
عبير دفع الله عزالدين✍️ تكتب:
زفة المولد.. حين تضيء مدن السودان بذكرى الحبيب

اليوم تبدأ زفة المولد النبوي الشريف، وتبدأ معها واحدة من اجمل مواسم الفرح التي يعرفها السودان. موسم له رائحة خاصة، وصوت خاص، وذاكرة لا تشبه غيرها.
ما ان تقترب ايام المولد حتى تتبدل ملامح الشوارع، وتعلو رايات المحبة، وتتهيأ الساحات لاستقبال ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
في السودان للمولد طقوسه التي توارثتها الاجيال، فهو ليس مناسبة تمر على التقويم ثم تنقضي، بل حالة من الفرح الروحي تسكن الناس قبل ان تسكن الساحات.
في حلقات الذكر ترتفع الاصوات بالصلاة والسلام على النبي، وتدق النوبة ايقاعا يوقظ في القلب شيئا من الشوق، وتتردد المدائح في الليالي كأنها رسائل محبة تحملها الاصوات من جيل الى جيل.
وفي ود مدني للمولد حكاية تكتبها الشوارع كل عام، حين تخرج الزفة وتجوب المدينة في مشهد تتعانق فيه الروحانيات مع الفرح الشعبي. تتقدمها الموسيقى العسكرية بعزفها المميز، وخلفها حضور تنفيذي وعسكري وشعبي كبير، بينما يصطف الناس على جانبي الطريق، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، يستقبلون الزفة بالفرح والدعوات والمحبة.
وتأتي زفة المولد بما فيها من الوان وفرح ورايات باختلاف الطرق الصوفية والمشاركين، فتمنح المدن والاحياء ملامح مختلفة. اطفال يركضون في فرح، واهل يخرجون الى الساحات، واصوات المداحين تملأ المكان، والقلوب قبل الالسنة تردد الصلاة والسلام على من ارسله الله رحمة للعالمين.
ولحلويات المولد في السودان حكاية اخرى، فهي ليست مجرد حلوى، بل جزء من ذاكرة الفرح وطقوس الطفولة. السمسمية والفولية والحمصية والجوزية والهريسة وغيرها من الوان الحلوى تزين الاسواق وساحات المولد، وبينها تقف حلاوة العروسة الوردية، تلك القطعة المصنوعة من السكر الخالص والمشكلة على هيئة عروسة صغيرة، تشتريها الاسر لبناتها فيفرحن بها كما لو انها هدية ثمينة جاءت خصيصا من ايام المولد. وللبنين نصيبهم من فرحة الموسم، فتشتري لهم الاسر الحلوى المشكلة على هيئة حصان، فيمتطيه خيال الطفل قبل يده، ويجري به في شوارع الفرح.
مشهد بسيط في تفاصيله، لكنه عالق في ذاكرة اجيال كاملة؛ فكم من طفلة احتضنت عروستها السكرية، وكم من طفل حمل حصانه الصغير، وهما لا يعرفان انهما يحملان معهما قطعة من ذاكرة السودان الجميلة.
وفي كل حي سوداني حكاية مع المولد، وفي كل بيت ، هي ايام تذكرنا بان الفرح حين يرتبط بالمحبة يصبح اجمل، وان ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم قادرة على ان تجمع الناس حول المحبة والسلام وحسن الخلق.
يا ايام المولد، عودي كل عام والسودان بخير، عودي وساحاتنا عامرة بالذكر، وقلوبنا عامرة بالمحبة، وبيوتنا عامرة بالطمأنينة. عودي والنوبة تدق ايقاع الفرح، والمدائح تصعد الى السماء، والاطفال يركضون خلف زفة المولد بعيون تلمع من الدهشة، وكأن المدينة كلها تستعيد طفولتها في ليلة من ليالي المحبة.
كل عام والسودان واهله بخير، وكل عام وبلادنا اكثر امنا وسلاما، وكل عام وقلوبنا اقرب الى الرحمة والمحبة. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه اجمعين
