منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

يَوْمٌ وُلِدَ فِيهِ النُّور في ذكرى مولد خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ بقلم : حسبو علي بخيت °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

0

يَوْمٌ وُلِدَ فِيهِ النُّور
في ذكرى مولد خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ
بقلم ✍: حسبو علي بخيت
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

ليس في تاريخ الإنسانية يومٌ إذا ذُكر رقّت له القلوب، ولا في صحائف الزمان صفحةٌ إذا قُرئت تهلّلت لها الأرواح، كيوم أطلَّ فيه على الدنيا خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، ورحمة الله المهداة إلى العالمين؛ سيدنا محمدٌ ﷺ.
ذلك كان مطلع فجرٍ جديد على الإنسانية؛ إذ أذن الله لنور النبوة أن يشرق بعد ليلٍ طويل، وللهداية أن تمضي في الأرض بعد أن أضناها التيه، وللتوحيد أن يرفع رايته بعد أن ازدحمت على القلوب رايات الوثنية والهوى.
وما أعجب شأن هذا الميلاد المبارك! فقد وُلد طفلًا في أعين الناس، وكان في تقدير السماء فاتحًا لعصرٍ من أعظم عصور الإنسان؛ وُلد يتيم الأب، ليكون في رعاية ربّه؛ ونشأ في البادية، ليكون أفصح العرب لسانًا؛ وعاش بين قومه أمينًا، ليحمل إليهم أعظم أمانة؛ ثم بعثه الله رحمةً للعالمين، فكان هاديًا للحائر، ومؤنسًا للوحيد، ونصيرًا للمظلوم، ومعلّمًا للإنسان كيف يكون إنسانًا في الدين والأخلاق والشعائر والمعاملات.
كانت الدنيا قبل بعثته ﷺ كأنها ليلٌ كثيفٌ تراكمت ظلماته، وتفرقت في أرجائه سُبل الناس؛ عقائد مضطربة، وقلوب قاسية، وأوثان تُعبد من دون الله، وقويٌّ يأكل حق ضعيف، وذو سلطانٍ يستطيل على من لا سلطان له.
وكان الإنسان يومئذٍ قد ضلَّ الطريق إلى نفسه قبل أن يضلَّ الطريق إلى ربّه؛ فعبد الحجر الذي ينحته بيده، واستسلم للهوى الذي يعبده في قلبه، واستباح الدم الذي حرّم الله سفكه.
ثم جاء خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ ليقيم للإنسان ميزانًا جديدًا؛ ميزانًا لا يُقاس فيه المرء بلونه ولا بنسبه، ولا بماله ولا بجاهه، وإنما بتقواه وعمله وخلقه.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
فكانت رسالته رحمةً للعقل من الخرافة، ورحمةً للقلب من القسوة، ورحمةً للإنسان من ظلم الإنسان، ورحمةً للمجتمع من الفوضى، ورحمةً للضعيف من استبداد القوي.
وُلد رسول الله ﷺ في عام الفيل، وثبت في صحيح مسلم أنه وُلد يوم الاثنين، أما تحديد اليوم من شهر ربيع الأول فقد اختلف فيه أهل السِّيَر والتاريخ.
غير أن اختلاف المؤرخين في اليوم لا ينقص شيئًا من عظمة الحدث؛ فليست العظمة في رقمٍ يُدوَّن في التقويم، وإنما في نورٍ غيّر وجه التاريخ.
وُلد سيدنا محمد ﷺ يتيم الأب، ثم فقد أمه وهو صغير، فتكفّله الله بعنايته؛ وكأن في اليتم درسًا مبكرًا للأمة: أن الإنسان قد يفقد أبًا وأمًا، لكنه لا يفقد عناية الله إذا صدق مع ربه.
نشأ راعيًا للغنم، ثم صار راعيًا للأمة الإسلامية ومنهجا للحياة؛ وعاش في مكة معروفًا بالصدق والأمانة، ثم حمل أمانة السماء؛ وكان أميًّا لا يقرأ كتابًا ثم جاء بالقرآن الذي أعجز أهل البلاغة والفصاحه والبيان، وأقام للحياة ميزانًا من الحق والعدل والفضيلة والخير والوفاء .
وهنا تكمن عظمة التدبير الإلهي: أن يخرج من بيتٍ لم يكن فيه عرش، ومن قومٍ لم يكونوا يومها أصحاب إمبراطوريات، رجلٌ تهتز لرسالته إمبراطوريات، وتتغير به خرائط التاريخ، وتستيقظ على يديه أمة، ويصل صوته إلى ما وراء الجبال والبحار وللناس كافة بشيرا ونذيرا.
إنها الرحمة التي مشت على الأرض وعمت كل الكون.
لم يكن ﷺ رحمةً في القول فحسب، بل كان الرحمة إذا صارت خلقًا، والعدل إذا صار سلوكًا، والعفو إذا صار قدرةً، والتواضع إذا صار مقامًا.
كان،إذا أُوذي صبر، وإذا ظُلم لم يجعل الانتقام دينًا، وإذا رأى ضعيفًا رقّ له قلبه، وإذا خاطب إنسانًا أعطاه من وجهه وسمعه وقلبه ما يشعره أنه ليس في الدنيا يومئذٍ أحدٌ سواه.
ولم تكن أخلاقه زينةً تُعلَّق على أبواب المجالس، بل كانت حياةً تتحرك بين الناس.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
فكان خُلُقه ﷺ تفسيرًا حيًّا لهذا الثناء الرباني؛ لا يقرؤه الناس في كتابٍ فحسب، بل يرونه في رجلٍ يمشي في الأسواق بينهم، ويخسف نعله ويرقع ثوبه تواضعا. ويجلس بينهم، ويأكل مما يأكلون، ويواسي فقيرهم، ويزور مريضهم، ويحمل همَّ ضعيفهم. ويجاهد في الصفوف الأمامية
ولذلك أحبّه الشعراء حبًا لا يقدر الشعر على إخفائه، ومدحوه مدحًا لا تستطيع القصائد أن تستوفيه.
قال الإمام البصيري:
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْنِ
وَالفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمِ
هُوَ الحَبِيبُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ
لِكُلِّ هَوْلٍ مِنَ الأَهْوَالِ مُقْتَحِمِ
وَمِنْ أَبْدَعِ أَبْيَاتِهِ:
فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ
وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ
وَيَقُولُ:
وَكَيْفَ تَدْعُو إِلَى الدُّنْيَا ضَرُورَةُ مَنْ
لَوْلَاهُ لَمْ تُخْرَجِ الدُّنْيَا مِنَ العَدَمِ
وَمِنْ مَدِيحِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ:
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ
وَمِنْ أَجْمَلِ مَا قِيلَ فِي وَصْفِ جَمَالِ النَّبِيِّ ﷺ:
أَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي
وَأَكْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ
كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ
وفمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ
وما الشعر في مقام سيد الأولين والآخرين ﷺ إلا محاولة قلبٍ محبٍّ أن يقول ما يعجز اللسان عن قوله؛ فكلما ارتقى البيان إلى ذروة المدح وجد المقام أعلى، وكلما مدّ الشعر جناحه في سماء المحبة وجد السماء أوسع من جناحه.
فكيف يحيط المخلوق بوصف من أثنى عليه الخالق؟ وكيف يبلغ الكلام مقام من قال الله فيه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾؟
العالم اليوم أحوج إلى أخلاق سيدنا محمد ﷺ
إن العالم في زماننا لم يعد فقيرًا إلى العلم، ولكنه في أشد الحاجة إلى الأخلاق؛ ولم يعد عاجزًا عن اختراع الآلة، ولكنه ما زال عاجزًا عن إصلاح الإنسان سلوكه.
لقد شاد الأبراج حتى قاربت السحاب، واخترق الفضاء، وطوى المسافات، وربط القارات بشبكات الاتصال، وجعل الأرض كأنها بيتٌ واحد؛ لكنه لم يستطع أن يجعل القلوب متجاورة، ولا أن يجعل الظلم نادرًا، ولا أن يمنع القوي من البطش بالضعيف.
لقد تقدمت البشرية في عمران الأرض، لكنها لم تتقدم بالقدر نفسه في عمران الضمير والإنسانية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى سيرة المصطفى ﷺ؛ لا باعتبارها ذكرى تُستعاد، وإنما باعتبارها منهجًا يُستعاد به الإنسان إلى إنسانيته.
نحتاج اليوم إلى صدقه في زمنٍ كثرت فيه الأقنعة، وإلى أمانته في زمنٍ اتسعت فيه الخيانة، وإلى رحمته في زمنٍ اشتدت فيه القسوة والحسد والحقد، وإلى عدله في زمنٍ اختلطت فيه الحقوق بالأهواء، وإلى تواضعه في زمنٍ صار فيه بعض الناس يظنون أن ارتفاع المقام يكون بانخفاض الآخرين.
المولد الحقيقي… أن تتحول المحبة إلى سلوك يرى في المعاملات.
وإذا كان المسلمون يحتفون بذكرى مولده ﷺ، فإن أعظم الاحتفاء في كثرة العمل بهديه؛ وليس في جمال العبارات وحده، وإنما في جمال الأخلاق التي تتركها سيرته فينا.
فما قيمة أن نرفع أصواتنا بالصلاة عليه، ثم نخفض أصوات الرحمة عن المحتاجين؟
وما قيمة أن نملأ المجالس بذكر أخلاقه، ثم نفرغ من أخلاقه في معاملتنا للناس؟
وما قيمة أن نمدحه بألسنتنا، ثم نخالف سنته في صدقنا وأمانتنا وعدلنا ورحمة قلوبنا؟
إن المحبة الصادقة ليست كلمةً تُقال، وإنما أثرٌ يُرى؛ وليست دمعةً تهبط من العين، وإنما خلقٌ يهبط إلى الحياة.
فمن أحب سيدنا محمدًا ﷺ فليكن صادقًا؛ لأن الصدق من هديه.
ومن أحب سيدنا محمدًا ﷺ فليكن أمينًا؛ لأن الأمانة من سنته.
ومن أحب سيدنا محمدًا ﷺ فليكن رحيمًا؛ لأن الرحمة من رسالته.
ومن أحب سيدنا محمدًا ﷺ فليعفُ عند المقدرة؛ لأن العفو من جمال سيرته.
ومن أحب سيدنا محمدًا ﷺ فليجعل نواياه سليمة وقلبه أطهر، ولسانه أصدق، ويده أنفع، ومعاملته أكرم.
فالمولد الحقيقي ليس أن يولد الكلام في ألسنتنا، وإنما أن يولد سيدنا محمدٌ ﷺ في أخلاقنا من جديد؛ بأن تحيا سنته في سلوكنا، ويحيا هديه في بيوتنا، وتحيا رحمته في مجتمعاتنا.
سلامٌ على يوم أشرق فيه النور.
سلامٌ على يومٍ أشرق فيه فجرٌ لم يكن فجرًا لمدينةٍ وحدها، وإنما كان فجرًا للإنسانية والعالم أجمع .
سلامٌ على مكة يوم حملت بين جبالها مولد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آمنة يوم أودعها الله سرًا من أسرار رحمته، وعلى عبدالمطلب يوم حمل حفيده، وعلى التاريخ يوم كُتبت فيه أولى صفحات النور.
سلامٌ على سيدنا محمد ﷺ؛ يوم وُلد، ويوم بُعث، ويوم هاجر، ويوم نصره الله، ويوم لقي ربه، ويوم يُبعث حيًّا.
سلامٌ على قلبه الذي وسع أمته، ولسانه الذي نطق بالحق، وخلقه الذي كان قرآنًا يمشي بين الناس.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تملأ بها قلوبنا محبةً له، وأرواحنا شوقًا إليه، وأعمالنا اقتداءً به، وأخلاقنا هديًا من هديه.
اللهم اجعلنا من أهل سنته، ومن أهل محبته، ومن أهل شفاعته، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد، نبي الرحمة، ورسول الهدى، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكل عامٍ والأمة الإسلامية بخير؛ ومحبةُ المصطفى ﷺ في القلوب، وسنته في السلوك، وهديه في الحياة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.