منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر في حبِّكَ يأتلقُ الأمل: السودانُ بضيقِهِ وأشواقهِ ينهفُ بروحِهِ.. نُحبُّكَ يا رسولَ الله ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
في حبِّكَ يأتلقُ الأمل: السودانُ بضيقِهِ وأشواقهِ ينهفُ بروحِهِ.. نُحبُّكَ يا رسولَ الله ..!

هل سألت نفسك يوماً لماذا نصرّ، ونحن في أعتكّ أوقات العتمة، على البحث عن ضوء قديم ولد قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام؟ في الواقع السوداني اليوم، حيث تطحن الحرب الأجساد والأرواح، وتبدو البيوت مهجورة والميادين التي كانت تكتظ بـ “زفة المولد” خاوية إلا من أصداء الخوف، يطفو السؤال على السطح بمرارة: كيف نحتفل بذكرى ميلاد النبي ﷺ، ونحن نغرق في نهر من الدموع والنزوح؟ ما يحدث باختصار هو أن السوداني لا يهرب بالذكرى من حاضره، بل يستدعيها ليتنفس. هذا ليس حديثاً عن طقس تاريخي يُعاد كل عام للتبرك، بل هو محاولة غريزية للتمسك بآخر حبل نجاتنا النفسية والروحية، في لحظة نخسر فيها كل شيء بصمت.

لو تأملنا الظاهر، لقلنا إن المولد النبوي مجرد مناسبة شعبية واجتماعية؛ اعتاد الناس فيها على المديح، وتوزيع الحلوى للأطفال، والتجمع في ساحات الطرق الصوفية. والنتائج المباشرة لتوقف هذه المظاهر بسبب الحرب قد تبدو للمشاهد العابر مجرد حرمان من فرحة موسميّة. لكن ما لا يُرى، وما يعيشه المواطن في أطراف أمدرمان أو في مخيمات النازحين في عطبرة والقضارف، هو أن زوال هذا الطقس كشف عن جرح أعمق. جذور القصة لا تكمن في غياب “حلاوة المولد” أو صمت النوبة، بل في غياب الملاذ الروحي الذي كان يجمع الناس على اختلافهم، ليذكرهم بأن بعد كل شدة فرجاً، وأن الظلم،مهما تغول، له نهاية.

انظر كيف تتشابك الأشياء: ولد النبي ﷺ في عام الفيل، في لحظة كان أهل مكة يظنون فيها أن الكعبة ستُهدم بلا رجعة وأن القوة الغاشمة لأبرهة هي التي ستسود. كانت مكة تعيش حالة من الفزع واليأس الشبيه بما نعيشه اليوم. ثم خمدت نيران فارس، وتساقطت شرفات كسرة، وانكسر الجبروت لا بسلاح البشر، بل بحكمة القدر. ما يربط ذاك الزمان براهننا ليس مجرد معجزات تاريخية نرويها للأطفال، بل هو دراية عميقة بأن باطل اليوم ليس أول باطل يتجبر، ولن يكون الأخير الذي يتهاوى.

يرى البعض أن الغرق في الدعاء والاستغاثة بالذكرى قد يعكس نوعاً من الاستسلام لواقع لا نملك تغييره، ولكن أليس التمسك بالأمل الإيماني هو السلاح الأخير الذي يمنع هذا المجتمع من الانهيار الكامل؟ المواطن الذي يبيت على صوت الدانات في الخرطوم، أو الذي يجلس في زاوية ضيقة باللجوء، لا يحتاج إلى تنظير سياسي يفسر له كيف انهارت الدولة، هو يعرف ذلك جيداً. هو يحتاج إلى ما يذكره بأن هناك عدالة أكبر من عدالة الأرض، وأن الذي حَمَى بيته في عام الفيل قادر على حماية هذا الشعب المجهد.

الحديث عن المولد اليوم ليس ترفاً ولا بدعة تُناقش في كتب الفقه، بل هو سؤال وجودي يمس لقمة العيش وشعور الأمان. إنه الشوق لبيوت كانت تفتح أبوابها للضيوف، ولحوش متسع كان يجمع العائلة قبل أن تتشتت في أربع مشارق الأرض ومغاربها. نسأل أنفسنا: كيف سيستقبل هذا الشعب غداً وهو يحمل ذكريات نبي الرحمة ﷺ في قلبٍ مليء بالمرارة؟

وهكذا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة؛ نحن لا نحتفل بمولد شخص مرّ على التاريخ، بل نلوذ بالرحمة المهداة لنسترد إنسانيتنا التي تحاول الحرب تجريدنا منها.

بعد اخير :

خلاصة القول، إن الأمة التي استقبلت نبيها عليه افضل الصلوات و أتم التسليم يوماً بالنور في أشد لحظات الجاهلية ظلاماً، هي ذاتها الأمة التي تعرف في قرارة نفستها أن الظلم مهما تطاول، فإنه يبني سديمه على جرف هار. الكرب الذي يطوق السودان اليوم ليس استثناءً في تاريخ البلاء، بل هو اختبار لمعدن هذا الشعب الذي ما زالت قلوبه، رغم كل شيء، تميل نحو الحبيب ﷺ وتحنّ للسلام.

أخيرًا، في ذكرى مولدك يا شفيع الأمة، لا نملك إلا أن نرفع كفوفاً أضناها التعب، متضرعين إلى من حَمَى بيته بالطير الأبابيل، أن يعجل بفرج هذا البلد، وأن يرد كيد الذين ظلموه في نحورهم، ليعود للبيت السوداني أمانه، وللحوش دفؤه، وللأطفال فرحتهم التي سرقتها الحرب.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الجمعه | 14 اغسطس 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.