ضباط المعاش… من ذاكرة الخدمة إلى صناعة المستقبل ✍️د. الشاذلي عبداللطيف
ضباط المعاش… من ذاكرة الخدمة إلى صناعة المستقبل
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

تابعت باهتمام مخرجات الاجتماع رقم (8) لهيئة قيادة التوجيه والخدمات، وما حمله من اهتمام بخدمات المتقاعدين وأسر الشهداء، والمشروعات، وزيادة الموارد، وتعزيز القيم المهنية وترسيخ العقيدة الشرطية. ومثل هذه الاجتماعات لا ينبغي أن تقرأ فقط في حدود ما تقدمه من خدمات، بل من زاوية أوسع: كيف يمكن للمهنة الشرطية أن تعيد اكتشاف ثروة بشرية هائلة خرجت إلى المعاش، لكنها لم تخرج من دائرة القدرة والعطاء؟
نحن أمام ضباط تتراوح أعمار كثير منهم بين الثلاثين والخامسة والستين عاما. وهذه مساحة عمرية واسعة، لكنها في مجملها ليست مساحة نهاية، بل مساحة حياة وخبرة ونضج وإمكانات. وما جرى في مسارات الخدمة هو من أقدار الله وتقلبات الحياة، وليس من الحكمة أن يبقى الإنسان أسيرا لما مضى، بل الأجدى أن نسأل: ماذا بعد؟ وكيف نحول سنوات الخدمة إلى رأس مال للمستقبل؟
ضابط المعاش لا يحتاج فقط إلى معاش وعلاج وخدمة اجتماعية، على أهميتها. حاجته أعمق من ذلك. يحتاج إلى فرصة تعيد إليه حضوره المهني، وإلى سوق يقدر خبرته، وإلى مشروع يولد له دخلا، وإلى مؤسسة تشعره بأن انتهاء الخدمة النظامية لا يعني انتهاء القيمة.
وهنا ينبغي أن تنتقل الفلسفة من رعاية المتقاعد إلى تمكينه، ومن إدارة الاحتياج إلى صناعة الفرصة.
فالشرطة لا تصنع موظفا عاديا. إنها تبني عبر سنوات طويلة شخصية تعرف الانضباط والقيادة واتخاذ القرار والعمل تحت الضغط وإدارة الأزمات وفهم القانون والمجتمع. وهذه كلها مهارات لها قيمة كبيرة خارج الإطار الشرطي إذا أحسن تقديمها وتسويقها.
لدينا ضباط عملوا في التحقيق، وآخرون في القانون والإدارة والتخطيط والمرور والجوازات والمباحث والتدريب والإعلام والعلاقات العامة والأمن والسلامة والتقنية والعمليات والخدمات اللوجستية. لكن كثيرا من هذه الخبرات يبقى حبيسا للمسمى الشرطي، بينما سوق العمل يتحدث بلغة أخرى.
فالتحقيق يصبح في القطاع الخاص تحقيقات داخلية ومكافحة احتيال وامتثالا. والخبرة العملياتية تصبح إدارة مخاطر وأزمات وتشغيلا. والخبرة الإدارية تصبح حوكمة وإدارة موارد ومؤسسات.
ومن هنا تبدأ الفكرة العملية: قاعدة احترافية لكفاءات المتقاعدين، لا تسجل الاسم والرتبة فقط، بل تخصص كل ضابط ومؤهلاته وخبراته ولغاته وقدراته ورغبته في العمل أو الاستثمار ومكان وجوده، ثم يعاد تقديم هذه الخبرات إلى السوق بصورة حديثة.
محليا، يمكن بناء شراكات مع الوزارات والمصارف وشركات التعدين والطاقة والاتصالات والطيران والنقل والتأمين والمصانع والجامعات ومؤسسات الأمن والسلامة. فهذه الجهات تحتاج إلى خبرات ناضجة، والمتقاعدون يملكون جزءا مهما منها.
وخارجيا، فإن الفرصة أكبر.
أسواق إقليمية عديدة تحتاج إلى خبرات في الأمن المؤسسي وإدارة المخاطر والسلامة والتدريب والامتثال وحماية المنشآت والتحقيقات والخدمات اللوجستية. والأفضل ألا يترك الضابط ليبحث وحده عن هذه الفرص، بل أن توجد نافذة مؤسسية لتسويق الكفاءات خارج السودان، وبناء علاقات مع جهات التوظيف والاستشارات، ومراجعة العقود، وحفظ الحقوق والكرامة المهنية.
حينها لا يكون المتقاعد طالب وظيفة، بل كفاءة يتم تسويقها.
أما الاستثمار، فهو باب آخر ينبغي فتحه بعقل أكثر نضجا. فالمشكلة ليست في منح قرض فقط؛ لأن المال بلا دراسة وإدارة وتسويق قد يتحول إلى عبء جديد. المطلوب حاضنة استثمارية تقدم الفكرة، ودراسة الجدوى، والإرشاد القانوني والمحاسبي، والتمويل، والمتابعة حتى يستقر المشروع.
ويمكن كذلك إنشاء مشروعات جماعية يمتلك فيها المتقاعدون أسهما في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والتقنية والتدريب والأمن والسلامة والزراعة والإسكان والصيانة والاستشارات، بحيث ينتقل المتقاعد من مستفيد من الدعم إلى مالك لأصل منتج.
كما يمكن التفكير في صندوق استثماري يدار بصورة احترافية، ويوجه إلى أنشطة اقتصادية مدروسة، لتصبح خدمات المتقاعدين قائمة تدريجيا على موارد مستدامة بدلا من انتظار الاعتمادات والمساهمات فقط.
وفي المقابل، فإن المؤسسة نفسها تحتاج إلى متقاعديها.
فثمة خبرات تراكمت عبر عشرات السنين لا ينبغي أن تنتهي بخروج صاحبها. بعض المتقاعدين يمكن أن يكونوا مستشارين ومدربين ومحاضرين وخبراء في اللجان والدراسات ومراكز التفكير، لأن المؤسسة التي تحفظ ذاكرتها المهنية تقلل أخطاءها وتراكم خبراتها بدلا من أن تبدأ كل جيل من جديد.
كما أن الجانب الاجتماعي لا يجوز إغفاله. فالرعاية الصحية، والإسكان، والتعليم، والتأمين، والأندية المهنية والاجتماعية، والخدمات لأسر المتقاعدين ليست امتيازات هامشية، بل جزء من حفظ كرامة من خدموا المهنة سنوات طويلة.
لكن القياس الحقيقي للنجاح يجب أن يتغير.
بدلا من أن يكون السؤال: كم اجتماعا عقدنا وكم خدمة قدمنا؟ يصبح السؤال: كم ضابطا وجد فرصة عمل؟ كم كفاءة تم تسويقها داخليا وخارجيا؟ كم مشروعا نجح؟ كم مستشارا أعيدت الاستفادة منه؟ كم أسرة تحسن دخلها؟ وكم متقاعدا أصبح شريكا في مشروع منتج؟
هذه هي لغة النتائج.
إن المعاش لا ينبغي أن يكون لحظة انطفاء، بل انتقالا من ميدان إلى ميدان. فالرتبة قد تنتهي إداريا، لكن الخبرة لا تتقاعد، والانضباط لا يتقاعد، والقدرة على العطاء لا تتقاعد.
والوفاء الحقيقي لضابط الشرطة ليس أن نقول له فقط: شكرا لما قدمت، بل أن نفتح أمامه الطريق ونقول:
انتهت مرحلة من الخدمة، ولكن قيمتك لم تنته. خبرتك ما زالت مطلوبة، وفرصك ما زالت قائمة، ومهنتك التي صنعت جزءا من حياتك قادرة أيضا على أن تساعدك في صناعة مستقبل جديد.
وهنا فقط تتحول الرعاية إلى تمكين، والمعاش إلى فرصة، والخبرة الشرطية إلى قوة اقتصادية ومهنية واجتماعية يستفيد منها الفرد والمؤسسة والوطن.
