الشرطة والجمهور… حين تصبح الخدمة عهدًا والنجدة رسالة ✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد
الشرطة والجمهور… حين تصبح الخدمة عهدًا والنجدة رسالة
✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

لم تكن كلمات الفريق د. سراج الدين منصور، مدير شرطة ولاية الخرطوم ، خلال احد الإفطارات الرمضانية للشرطة، مجرد توجيهات عابرة، بل حملت رؤية عميقة لمعنى الشرطة ورسالتها الإنسانية والمجتمعية،
حين دعا قواته إلى الوقوف مع المواطنين وإغاثتهم ونجدتهم، وضرب مثالًا بالمواطن الذي قد يتصل بشرطة النجدة طالبًا وسيلة توصله إلى المستشفى، بينما يكون في حقيقة الأمر عاجزًا عن توفير أجرة النقل، كان يؤكد معنى بالغ الأهمية:
أن ترى الإنسان قبل أن ترى البلاغ، وأن تدرك الحاجة قبل أن تنظر إلى الإجراء.
*وجاءت عبارته المعبرة:
« نحن خدام لهذا الشعب الذي نحن منه وإليه ومن رحمه.»*
هذه العبارة تختصر فلسفة متكاملة.
فالشرطة ليست جسمًا منفصلًا عن المجتمع، وإنما هي جزء منه، تعمل لحمايته وخدمته، وتستمد قوتها من ثقة المواطنين وتعاونهم.
وهذا المعنى يتصل مباشرة بفلسفة السير Sir Robert Peel، أحد أبرز مؤسسي الشرطة الحديثة في بريطانيا، الذي عبّر عن جوهر العلاقة بين الشرطة
والجمهور بقوله الشهير:
“The police are the public and the public are the police.”
«الشرطة هي الجمهور، والجمهور هو الشرطة.»
فالمقصود أن الشرطة لا تستطيع تحقيق الأمن بعيدًا عن المجتمع؛ فالمواطن شريك في صناعة الأمن، والشرطة شريك في حماية المجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية الشرطة المجتمعية، التي تقوم على الشراكة والثقة المتبادلة وحل المشكلات والوقاية من الجريمة وهي، بهذا المعنى، إحدى صور الشرطة الديمقراطية التي تجعل احترام الإنسان وسيادة القانون والمساءلة والثقة المجتمعية ركائز للعمل الشرطي.
فالشرطي لا ينبغي أن يرى المواطن مجرد صاحب بلاغ، بل إنسانًا قد تقف خلف طلبه ظروف قاسية أو حاجة عاجلة.
قد لا يستطيع الشرطي حل كل مشكلة، لكنه يستطيع أن يستمع باحترام، ويتعامل بإنسانية، ويوجه المواطن إلى الحل الممكن، ويبذل ما تسمح به القوانين والإمكانات.
وفي الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، تزداد أهمية هذه الروح؛ فالمواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن مؤسسات الدولة قريبة منه، وأن الشرطة ليست فقط لحظة ضبط أو إجراء قانوني، وإنما أيضًا غوث ونجدة وأمان.
إن قوة الشرطة لا تُقاس فقط بعدد الجرائم التي تضبطها، وإنما كذلك بمقدار الثقة التي تزرعها في نفوس المواطنين.
فقد ينسى المواطن اسم الشرطي الذي ساعده، لكنه لن ينسى اليد التي امتدت إليه في لحظة ضعف.
وهنا تلتقي حكمة Sir Robert Peel مع رسالة الفريق د. سراج الدين:
الشرطة من الشعب، وإلى الشعب، ومن أجل الشعب.
فالرتبة تمنح السلطة، لكن خدمة الناس تمنح الاحترام.
والزي يمنح الصفة الرسمية.
لكن الأخلاق والإنسانية تمنحان رجل الشرطة مكانته في قلوب المواطنين.
وفي النهاية،
تبقى
_الرسالة الأهم:
شرطةٌ تحمي، وشرطةٌ تُغيث، وشرطةٌ تحفظ الكرامة… تلك هي الشرطة التي تصنع الأمن_ مع المجتمع، لا بعيدًا عنه.
والله ولي التوفيق
