منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

جرائم لا تسقط بالتقادم كتبت ✍ د.إيناس محمداحمد

0

جرائم لا تسقط بالتقادم
كتبت ✍
د.إيناس محمداحمد

اجتهد المجتمع الدولي في وضع قواعد قانونية واضحة تحدد انواع الجرائم الدولية وكيفية معاقبة مرتكبيها وامام اي محكمة ووفق إجراءات قانونية محددة .
ونظرا لتطور قواعد القانون الدولي وإيجاد القانون الجنائي الدولي كفرع من فروعه ينظم الجرائم الدولية التي تهدد السلم والامن الدوليين وتمنع انتهاك حقوق الإنسان او انتهاك القانون الدولي وتتصدي لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتضع تدابير قانونية راسخة تمنع افلات المجرمين من العقاب .
كان مبدأ عدم تقادم جرائم الحرب من أهم الضمانات لعدم افلات المجرم من العقاب ، لأن هذة الجرائم يصعب مباشرتها قضائيا بعد ارتكابها مباشرة ، وانما في كثير من الأحوال يمر فترة زمنية مقدرة بين ارتكاب الفعل وملاحقة المجرم مما يجعل الافلات من العقاب من أهم تحديات مفهوم العدالة.
نأتي لنقطة جوهرية وهي النطاق الزمني لوقوع جرائم الحرب متي تعتبر الجريمة جريمة حرب ؟ حسب ما ذهبت اليه اتفاقيات جنيف الاربع لعام 1949م والبرتوكول الاول الملحق بها لعام 1977م فإن النطاق الزمني يكون مع بداية الحرب وطوال فترة النزاع المسلح سواء كان دولي او غير دولي بل تسري حتي مرحلة الهدن و وقت السلم .
بعض فقهاء القانون الدولي يفضلون مصطلح (النزاعات المسلحة) علي مصطلح (الحرب) بسبب ان مصطلح حرب يشمل عدد من المفاهيم قانونية تشمل العدوان والدفاع المشروع والامن والاستقرار، وبعض الفقهاء استخدمو مصطلح الحرب ليشيرو الي الحرب الباردة وحرب النجوم والحرب علي الفساد وهكذا ، مما يعد مصطلح سياسي اجتماعي اكثر من مصطلح قانوني .
في كل الاحوال الجرائم التي تقع في فترات الحروب والنزاعات المسلحة لا تسقط بالتقادم، وفي سبيل ذلك انشأت المحكمة الجنائية الدولية كوسيلة لردع الجرائم الدولية وكان لابد من دعمها بمجموعة من المبادئ القانونية التي تكون مرجعيتها واساسها القانوني من اهمها مبدأ عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
القانون الدولي جاء مغايرا للقوانين الوطنية من خلال اقرار الاخيرة لمبدا سقوط العقوبة بعد مرور فترة زمنية محددة علي الجريمة ، مما يمحو نتائجها المادية والمعنوية، علي عكس القانون الدولي الذي لا تسقط الجرائم فيه بالتقادم .
علي الصعيد القانوني يعرف التقادم الجنائي بأنه إجراء للتخلص من آثار الجريمة او من الادانة الجنائية بتأثير مرور فترة زمنية محددة بما يمثل وسيلة لانقضاء الحق في تنفيذ الحكم الجنائي الصادر بالادانة، والتقادم هنا يؤدي الي سقوط حق الدولة في ملاحقة الجاني اما بانقضاء حقها في محاكمته او سقوط حقها في توقيع العقاب عليه .
الملاحظ هنا ان بعض الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقيات جنيف الاربع لعام1949م واتفاقية منع الابادة الجماعية لعام 1948م ، لم يرد فيها النص علي عدم سقوط الجرائم الدولية بالتقادم صراحة ، ولم يرد كذلك في مبادئ نورمبرغ التي اقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة 1950م ، مما احدث فراغ قانوني مؤثر وواضح ، ادي هذا الفراغ الي انتباه الجمعية العامة للامم المتحدة لاهمية وضرورة معالجة هذا القصور ، لذلك تم اعداد اتفاقية دولية تنظم عدم خضوع جرائم الحرب للتقادم ، وبالفعل وضعت اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية لعام 1968م ودخلت حيز النفاذ في 11نوفمبر 1970م .
كذلك نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 29 علي عدم سريان التقادم علي الجرائم التالية :
جرائم الابادة الجماعية ، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب ، جريمة العدوان .
جريمة العدوان هذة من أخطر الجرائم لأنها في كثير من الأحوال تكون الباب الذي يدخل منه بقية الجرائم ، لأنه حينما يقع عدوان او حرب تقع جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الابادة الجماعية بسبب هذا العدوان .
هناك أيضا اتفاقية أوربية تتعلق بعدم تقادم الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتي عقدت في 25 يناير 1974م ، ودخلت حيز التنفيذ في27 يونيو 2003م .
لضمان فعالية هذة الاتفاقيات لابد أن تتعهد الدول الأعضاء فيها بتضمين احكامها في القوانين الوطنية، وتكييف قوانينهاعلي عدم سقوط الجرائم الدولية بالتقادم حتي تتوافق مع الاتفاقيات الدولية مع ملاحظة ان القضاء الدولي مكمل للقضاء الوطني لتحقيق العدالة ، ويحقق ذلك مبدأ التعاون القضائي بما يضمن عدم افلات الجناة من العقاب ، هكذا هي سلسلة من الإجراءات مرتبطة بعضها ببعض ليصبح مبدأ عدم تقادم الجرائم الدولية التزاما دوليا .
مع ملاحظة ان احكام التعاون القضائي ليس لها اتفاقيات ملزمة لجميع الدول وانما تتم عن طريق معاهدات ثنائية او متعددة الأطراف والتي توفر بحكم وجودها مرجعيات قضائية للدول التي لم تصادق علي تلك الاتفاقيات ، بحيث يكون اغلبها اتفاقيات فنية بين الأجهزة الشرطية الوطنية في الدول وبين الأجهزة القضائية للدول المعنية ، مع الالتزام بتنزيل هذة الأحكام للقوانين الوطنية والا سيكون الالتزام الدولي مجرد مبدأ قانوني مكتوب علي ورق .
لذلك اصدرت الأمم المتحدة قرارا حول مبادئ التعاون الدولي في اكتشاف واعتقال وتسليم ومعاقبة الجناة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وهو القرار رقم (3074/ (28) الصادر في 3ديسمبر 1973م.
علي الصعيد الوطني رغم ان السودان لم يوقع ولم يصادق علي اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي اعتمدتها الأمم المتحدة 1968م ، الا ان جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وفقا للقواعد العرفية الدولية ، وبالتالي يستفيد السودان من هذة القواعد القانونية .
كما أن السودان اكد علي التزامه بمبادئ العدالة والمسائلة القانونية تجاة جرائم الحرب والابادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في كثير من المنابر الدولية ، كان آخرها بيان السودان الذي قدم امام مجلس الامن تعقيبا علي التقرير نصف السنوي للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حول دارفور في يوليو 2026م ، واكدت بعثة السودان في نيويورك علي حرص السودان علي تحقيق العدالة وعدم افلات الجناة من العقاب وانصاف الضحايا وجبر الضرر وترسيخ سيادة القانون لتمثل جميعها ركائز اساسية لتحقيق سلام مستدام وتحقيق العدالة علي ارض الواقع .
كما جدد السودان التزامه الكامل بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في إطار القرار 1593 الصادر في 31مارس 2005م والذي يقضي باحالة الوضع في دارفور الي المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية .
بناء علي كل ما تقدم كان المتوقع ان تصدر المحكمة الجنائية الدولية اوامر قبض بحق المشتبه بهم من قادة المليشيا الارهابية الذين وثقو بانفسهم لكل ما ارتكبوه من جرائم إبادة جماعية في ( مجزرة الجنينة) منذ اكثر من عامين في مدينة الجنينة وكان توثيقهم بمثابة اعتراف علني بكل ما ارتكبوه من فظائع ، وكذلك جرائم الحرب التي ارتكبت في الفاشر رغم وجود براهين وتوثيق الادلة وشهود العيان وتقارير لجنة تقصي الحقائق و تقارير المنظمات الدولية والاقليمية وتقارير اللجنة الدولية للصليب الاحمر وتوثيق صور الأقمار الاصطناعية للانتهاكات والفظائع التي حدثت علي ارض الواقع رغم كل ذلك هناك تراخي و تقصير في تحقيق العدالة ونصره ضحايا تلك الانتهاكات.

الإنسان هو أهم عنصر يجب أن تهتم به المحافل الدولية وحماية حقوقه في عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، هي الخطوة الاولي لحفظ حق الضحايا و تحقيق العدل وترسيخ سيادة القانون ، وحفظ السلم والامن الدوليين، وعلي المجتمع الدولي ان يدرك ان للعدالة وجة واحد فقط.

اللهم انصر القوات المسلحة نصرا عزيزا يا الله سبحانك لا ناصر لنا الا انت.

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.