خبر و تحليل: عمر العركي المبعوث الاممي و د. جبريل : خبر يستحق التحليل
خبر و تحليل: عمر العركي
المبعوث الاممي و د. جبريل:
خبر يستحق التحليل

على خلاف بعض اللقاءات التي يجد فيها المبعوث الأممي مساحة وراحة في شرح رؤيته وإيصال رسائله، ويظهر فيها وكأنه الآمر الناهي، فإن لقاءه بالدكتور جبريل إبراهيم لم يجد فرصة ومساحة كالمعتاد ، وجد نفسه أمام موقف سوداني واضح ومتماسك.
استطاع د. جبريل، وبوعي سياسي وطني، أن يعيد المبعوث إلى حجمه الطبيعي ودوره الحقيقي: مبعوثا للأمين العام للأمم المتحدة، وليس وصيا على السودان أو صاحب تفويض لإعادة صياغة مستقبله. فبدلا من أن يكون اللقاء منصة لعرض الرؤية الأممية، أصبح مناسبة لعرض الرواية السودانية على المبعوث.
بدأ د. جبريل بتذكير المبعوث بالنقطة التي لا تحتمل الاغفال والنسيان ، “بأن القوات المسلحة السودانية مؤسسة وطنية، ومنوط بها دستوريا حماية البلاد والدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها”. ومن هذا المنطلق جاء الرفض الصريح لأي مقترح بتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، باعتبار أن ذلك يقيد قدرة الجيش على أداء واجبه الوطني.
وهذه الرسالة تضع المبعوث أمام تناقض واضح، في مطالبة الجيش بحماية الدولة واستعادة أراضيها، ثم تقييد قدرته على الحصول على السلاح. كما لا يمكن التعامل مع المؤسسة العسكرية الرسمية والمليشيا المتمردة باعتبارهما مجرد طرفين متساويين في نزاع مسلح.
وفي ملف السلام، لم يقدم جبريل موقفا رافضا للمسار السياسي، وإنما طرح معادلة أكثر واقعية: مسار أمني يستند على إعلان جدة، ومسار سياسي عبر حوار سوداني شامل لا يستثني أحدا. أي أن السلام لا يبدأ من تجاهل الواقع العسكري، ولا يمكن أن يستقيم من دون معالجة جذور الحرب وترتيباتها الأمنية.
في شأن الحوار، فقد كان د. جبريل واضوحا، مطالباً دعم الأمم المتحدة للحوار السوداني، ولكن بشرط أن يبقى الحوار سوداني الملكية. فالمطلوب من المجتمع الدولي أن يساعد السودانيين على الوصول إلى التوافق، لا أن يضع لهم الأجندة أو يحدد لهم شكل الدولة أو يقرر بالنيابة عنهم مستقبل بلادهم.
جبريل لم يتحدث فقط باسم حركة العدل والمساواة، وإنما قدم موقفا يلتقي مع جوهر مشروع الدولة: جيش وطني قومي واحد. فقد جدد التزام الحركة بدمج قواتها في القوات المسلحة، مؤكدا أن نهاية تعدد الجيوش يجب أن تكون جزءا من أي سلام حقيقي ومستدام.
لهذا، فإن أهمية اللقاء لا تكمن في انعقاده، وإنما في اختلاف موازين الحديث داخله. المبعوث الذي جاء ليستمع ويستطلع ويطرح رؤيته، وجد أمامه مسؤولا سودانيا يضع أمامه حدود الدور الدولي، وثوابت الدولة، وشروط السلام، وطبيعة الحوار، ومستقبل المؤسسة العسكرية.
خلاصـة القـول ومنتهـاه:
جبريل لم يرفض المبعوث، ولم يرفض السلام، ولم يغلق باب الحوار؛ لكنه رفض أن تتحول مهمة المبعوث إلى وصاية، أو أن يتحول السلام إلى تسوية على حساب الدولة، أو أن تصبح الأمم المتحدة طرفا في تحديد مستقبل السودان.
هذه المرة لم يكن المبعوث هو من يشرح للسودانيين ماذا ينبغي أن يفعلوا؛ بل كان هو من يستمع إلى السودانيين وهم يشرحون له ماذا يريدون.
ولهذا… المبعوث الاممي وجبريل: خبر يستحق التحليل
