سفينة “يسوع ” وتجارة الرق في أفريقيا د الفاضل فرح الشريشابي
سفينة “يسوع ” وتجارة الرق في أفريقيا
د الفاضل فرح الشريشابي
تحمل عبارة “سفينة يسوع”رمزية تاريخية؛ حيث كانت أول سفينة إنجليزية رسمية تُستخدم في اختطاف ونقل العبيد الأفارقة من غرب أفريقيا إلى الأمريكتين خلال القرن السادس عشر. يُمثل اسم السفينة واحدة من كبرى المفارقات التاريخية، حيث استُغل الاسم الديني لتبرير وتسهيل تجارة الرق العابرة للمحيط الأطلسي.التبرير الديني للاستعباد: استخدم بعض التجار ورجال الدين في العصور الوسطى وعصر الاستعمار تأويلات لنصوص توراتية، مثل “لعنة حام”، لتبرير استعباد الأفارقة وإخضاعهم.
أصدر الباباوات مراسيم تُعرف بـ Papal Bulls لتنظيم وتبرير الاكتشافات والتوسع الاستعماري.
مرسوم “دوم ديفرساس” الصادر عن البابا نيكولاس الخامس عام 1452، منح ملك البرتغال ألفونسو الخامس سلطة غزو “الصقالبة والوثنيين وسائر الكفّار” واستعبادهم بشكل دائم.
مرسوم “رومانوس بونتيفكس” الصادر عن البابا نفسه في يناير 1455، وسّع هذا التفويض ومنح البرتغال احتكارًا لتجارة السواحل الأفريقية الغربية، بما في ذلك تجارة البشر.
مرسوم “إنتر كايتيرا” الصادر عن البابا كاليستوس الثالث عام 1456، الذي أعاد تأكيد المرسومين السابقين.
جُدِّدت هذه الامتيازات لاحقًا على يد البابا سيكستوس الرابع عام 1481، ثم البابا ليون العاشر عام 1514، لتشكّل معًا ما عُرف بـ”عقيدة الاكتشاف” التي وفّرت الغطاء اللاهوتي والقانوني لتجارة الرق عبر الأطلسي واستعمار أفريقيا والأمريكتين لقرون تالية.
كما أيدت المراسيم التالية (مثل مراسيم البابا كاليستوس الثالث وغيره) السيطرة الاستعمارية وتعميد الرقيق تحت مظلة “إنقاذ الأرواح”.
وقد روجت الكنائس لفكرة أن اعتناق العبد للمسيحية يعني أنه يصبح حرا، وقد تم استخدام آيات من الإنجيل تقول إن نوحا دعا على ابنه حام -وهو أبو الزنوج- بأن يكون عبدا لأنه نظر إلى عورته، ولذلك فإن تجارة العبيد هي امتثال لأمر الكتاب (المقدس) وأن العبودية هي لعنة حلت على الرجل الأسود.
هناك وثيقة توضح أن البابا كاليستوس الثالث بارك تجارة الرقيق عام 1455 واعتبرها شرعية.. وقد تم استخدام نصوص من الكتاب المقدس (الإنجيل) لتبرير العبودية والعنصرية، وقد أعلن البابا بوجيستياس الرابع رعايته لهذه التجارة وطلب تعميد العبيد إنقاذا لأرواحهم، وأن يكون في كل سفينة قس يعلم العبيد المسيحية، كما شارك الأساقفة في هذه التجارة، وكانت لهم سفن تحمل العبيد. وظلت الكنائس تعلم العبيد مبدأ الطاعة للسيد دون النظر إلى ما يعانيه العبد من ظلم وقهر، حيث يقول أحد القساوسة للعبيد “أطيعوا سادتكم بخوف ورغبة، فإن طاعة السيد طاعة للرب”.
البابا ليون الرابع عشر قدم اعتذار عام 2026 عن دور الكنيسة في تبرير الرق مستذكرًا أن سلفه ليون الثالث عشر كان أول بابا يُدين الرق صراحة عام 1888 — أي بعد قرون من صدور تلك المراسيم، وبعد أن كانت معظم الدول قد ألغت الرق فعليًا
هي سفينة تجارية ألمانية الصنع استأجرتها الملكة إليزابيث الأولى ملكة بريطانيا ومنحتها للقبطان “جون هوكينز”الذي يُصنف كأول تاجر رقيق إنجليزي في القرن السادس عشر. وتعد هذه السفينة رمزاً لانخراط بريطانيا رسمياً في تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي، حيث نُقل على متنها مئات الأفارقة من غرب أفريقيا إلى الأمريكتين لبيعهم. قاد “جون هوكينز” 4 رحلات لتجارة الرقيق بين عامي 1562 و1568م، وكانت سفينة “يسوع” هي الرائدة في هذه الرحلات. انطلقت من بريطانيا إلى سواحل غرب أفريقيا (خاصة سيراليون) واستغل طاقم السفينة يسوع أساليب الخداع والمناورات لإغراء السكان المحليين بالصعود إلى السفينة بداعي “الخلاص الفكري أو الديني” أو التجارة، قبل أن يتم تقييدهم بالأغلال..
تظل “سفينة يسوع” شلواً شاهداً في ذاكرة التاريخ على هذه الحقبة الاستعمارية
