البعد_الاخر مصعب بريــر تعافي النظام الصحي بوابته التأمين الحلقة الأخيرة : خريطة الخروج — أن يكون التأمين مشترياً لا بائعاً ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
تعافي النظام الصحي بوابته التأمين
الحلقة الأخيرة : خريطة الخروج — أن يكون التأمين مشترياً لا بائعاً ..!
حين تصاب الشجرة بالتعفن من جذورها، لا ينفعها طلاء الأوراق باللون الأخضر، ولا إقامة الاحتفالات حول ساقها المائل. اليوم، وبعد أن استعرضنا خفايا الانهيار وأسبابه الخفية، نصل إلى أصل المطلق الذي لا يقبل المساومة: إن إصلاح القطاع الصحي بالسودان كله، وتبديد ظلام المرض عن بيوت الفقراء، يرتبط بشرط واحد لا ثاني له؛ وهو إعادة هيكلة التأمين الصحي وتصحيح مساره الاستراتيجي بالكامل.
ما يحدث باختصار ووضوح كالشمس هو: يجب تحويل ملف الخدمات العلاجية والمستشفيات كلياً إلى وزارة الصحة والقطاع الخاص، على أن يتفرغ الصندوق القومي للتأمين الصحي لوظيفته الوحيدة والأساسية، وهي “شراء الخدمات العلاجية لصالح المؤمن عليهم”، بينما تتفرغ وزارة الصحة الاتحادية وولاياتها لملف “الصحة الوقائية” وتجويد الخدمة الطبية المباشرة. هذا هو النموذج المعمول به في كل دول العالم التي نجحت في بناء نظم صحية متماسكة وتكافلية.
إن تنفيذ هذا التوجه يحتاج قرارات شجاعة لا ترجف فيها الأيدي، وأولها تغيير اسم هذا الجسم ليكون “صندوق التأمين الصحي”، وضبط تكلفته الإدارية بسقف صارم لا يتجاوز 15% من ميزانيته الكلية بأي حال من الأحوال، عبر مراجعة مخصصات وحوافز القيادات بواسطة المراجع العام. يتبع ذلك تسريح الجيش الجرار من الموظفين والإداريين الفائضين، وإعادة كل الكوادر الصحية والطبية التابعة للتأمين إلى موقعها الاصلي في وزارة الصحة الاتحادية والولائية لتعزيز خدمات المستشفيات الحكومية المتهالكة التي تعاني من نقص الكوادر.
هذا ليس حديثاً في الهواء، بل هو الطريقة الوحيدة لضمان أن كل جنيه يدق في حساب الاشتراكات يتحول إلى جرعة دواء أو صورة أشعة لمريض. كما أن تجربة الشركات الخاصة للتأمين الطبي تقدم لنا نموذجاً عملياً نجح في جذب قطاع واسع عبر شراء الخدمة من المؤسسات المقتدرة دون أن تملك مستشفى واحداً. فلماذا تصر الدولة على إدارة الفشل عبر الاستمرار في إدارة مؤسسات موازية؟ إن إعادة صياغة المهمة تعني أيضاً مراجعة القوانين لتفعيل الشراء الجماعي للأدوية، والاستفادة من الصيغ التمويلية الميسرة عبر البنوك لتوفير المستهلكات، بدلاً من ترك الصيدليات قاعاً صفصفاً.
دعونا نسأل بوضوح: كيف سيؤثر هذا التغيير على المواطن السوداني في حوشه وفي عمله؟ معناه ببساطة أن البطاقة التي يحملها ستستعيد قيمتها فوراً، لأن الصندوق سيكون لديه الفائض المالي السليم لدفع مديونيات المستشفيات والصيدليات المتعاقد معها أولاً بأول. معناه أن العائل لن يضطر لاقتراض المال أو بيع رزق عياله لمجرد أن طفله أصيب بحمى، وأن الفقير المشمول برعاية ديوان الزكاة سيجد احتراماً حقيقياً ورعاية كافية، لأن الدعم موجه للخدمة لا للمكاتب الفخمة ووسائل الحركة.
بعد اخير:
خلاصة القول، هكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة، حيث تتجمع كل هذه الرؤى لتشير إلى مسار واحد؛ إما أن نمتلك الجرأة لقص الأطراف الميتة واستعادة فلسفة التكافل الاجتماعي الحقيقية، وإما أن نستمر في دفع فاتورة هذا الترهل من دماء وأرواح مواطنينا.
أخيرًا، إن الضوء في آخر هذا النفق المظلم لن يأتي عبر الورش الشكلية ولا بالبيانات التجميلية، بل بقدرتنا على اتخاذ القرار الحق في الوقت الحرج. التأمين الصحي ليس مؤسسة لتوظيف العاطلين ولا بؤرة للصرف البذخي، بل هو عقد أخلاقي ومصيري بين الدولة والمجتمع، وإذا أردنا لهذا الوطن أن يسترد عافيته، فلنبدأ بإعادة هذا العقد إلى نصابه؛ مشترياً يحمي المريض، لا تاجراً يساومه على حياته.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
