السوق الذي تحرسه الدولة… لا يخاف فيه المواطن د. الشاذلي عبداللطيف
السوق الذي تحرسه الدولة… لا يخاف فيه المواطن
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

للسوق في السودان فلسفة تتجاوز البيع والشراء. فهو ليس مكاناً لتبادل السلع فحسب، بل هو مرآة تعكس حال الدولة، وميزان يقيس قوة مؤسساتها، وساحة يلتقي فيها الناس على قيم الثقة والأمانة قبل أن يلتقوا على الأسعار. ومنذ القدم، ارتبطت الأسواق السودانية بالتكافل الاجتماعي، وكانت كلمة التاجر أحياناً أقوى من العقد، وكانت الأمانة رأس المال الحقيقي، وكان احترام المستهلك جزءاً من منظومة الأخلاق التي تميز المجتمع السوداني.
ولذلك، فإن المواطن السوداني لا يقرأ أوضاع وطنه في نشرات الأخبار وحدها، بل يقرؤها أيضاً في الأسواق؛ في جودة الخبز، وسلامة الدواء، واستقرار الأسعار، ووفرة السلع، وعدالة التعامل. فإذا استقام السوق، شعر الناس بالطمأنينة، وإذا اضطرب، تسلل القلق إلى البيوت قبل أن يظهر في التقارير والإحصاءات.
من هنا، فإن حماية المستهلك ليست قضية تجارية أو إدارية، وليست نزاعاً بين بائع ومشترٍ، وإنما هي قضية سيادة دولة، وهي أحد أعمدة الأمن القومي بمفهومه الحديث. فالأمن اليوم لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يشمل الأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن الاقتصادي، وهي جميعاً تبدأ من سوق منضبط يحكمه القانون.
ولذلك فإن الدولة التي تستطيع أن تحمي غذاء مواطنيها، ودواءهم، وأموالهم، إنما تحمي أمنها الوطني قبل أن تحمي المستهلك. أما إذا غابت الرقابة، وانتشرت السلع المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات، وارتفعت الأسعار بلا ضوابط، فإن الخلل لا يصيب الاقتصاد وحده، بل يمتد إلى الثقة العامة، وهي أثمن ما تملكه أي دولة.
وفي هذا الإطار، جاء القانون القومي لحماية المستهلك لسنة 2019 برؤية تشريعية متقدمة، حيث كفل للمستهلك حقوقه الأساسية في الصحة والسلامة، والحصول على المعلومات الصحيحة، وحرية الاختيار، وحق التقاضي والتعويض، كما نص على إنشاء الجهاز القومي لحماية المستهلك، ومنحه سلطات واسعة في الرقابة، وتلقي الشكاوى، والتنسيق مع أجهزة الدولة، ومراقبة الأسعار، وفحص السلع، ومكافحة الممارسات التجارية غير المشروعة.
ولم يكتف القانون بذلك، بل أجاز إنشاء محاكم ونيابات متخصصة للنظر في جرائم حماية المستهلك، وقرر عقوبات رادعة تصل إلى السجن والغرامة وإغلاق المنشآت ومصادرة وإتلاف السلع الضارة، إدراكاً من المشرع أن حماية المستهلك ليست شأناً ثانوياً، وإنما قضية تمس حياة الناس وصحة المجتمع واستقرار الاقتصاد.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أي مدى فُعِّلت هذه الأحكام على أرض الواقع؟ وهل اكتملت المؤسسات التي أرادها المشرع؟ وهل يؤدي الجهاز القومي لحماية المستهلك دوره بالصورة التي تحقق أهداف القانون؟ وهل أُنشئت المحاكم والنيابات المتخصصة؟ وهل تخضع السلع والأدوية لفحص منتظم بالمختبرات المرجعية قبل وصولها إلى المواطن؟
إن قيمة القوانين لا تكمن في حسن صياغتها، وإنما في حسن تطبيقها. فالقانون الذي يبقى في صفحات الجريدة الرسمية، ولا يتحول إلى مؤسسات وإجراءات ورقابة، يفقد كثيراً من غايته. والدولة التي تريد اقتصاداً مستقراً لا تبدأ من المؤشرات المالية وحدها، وإنما تبدأ من السوق، لأنه المكان الذي يختبر فيه المواطن حضور الدولة وعدالة القانون.
ومن الخطأ أن يُفهم تطبيق قانون حماية المستهلك على أنه تضييق على التجار. فالتاجر الأمين هو أول المستفيدين من إنفاذ القانون، لأنه يحميه من منافسة الغشاشين والمحتكرين ومروجي السلع غير المطابقة للمواصفات. فالسوق المنظم يحقق العدالة للجميع، ويشجع الاستثمار، ويعزز المنافسة الشريفة، ويصون حقوق المنتج والمستهلك معاً.
إن المرحلة التي يمر بها السودان تفرض إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس قوية، وفي مقدمتها سيادة القانون. ولا يكتمل ذلك إلا بتفعيل القانون القومي لحماية المستهلك، وتمكين الجهاز القومي من أداء مهامه، وإنشاء المحاكم والنيابات المتخصصة، وتعزيز دور الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، والمختبرات المرجعية، وتكامل جهود الوزارات والسلطات العدلية والرقابية، حتى تصبح الأسواق بيئة آمنة، ويصبح القانون واقعاً يلمسه المواطن في حياته اليومية.
إن هيبة الدولة لا تظهر فقط في حماية الحدود، بل تظهر كذلك في قدرتها على حماية صحة مواطنيها، وصيانة أموالهم، وضبط أسواقها. فالسوق المنظم هو عنوان الدولة القوية، والرقابة العادلة هي الوجه الآخر للعدالة، وحماية المستهلك ليست خدمة تقدمها الحكومة، بل واجب دستوري وأخلاقي يعكس احترام الدولة لمواطنيها.
ولعل أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة هو أن تجعل المواطن يدخل إلى السوق مطمئناً، ويخرج منه واثقاً أن القانون كان حاضراً معه في كل سلعة اشتراها، وكل دواء تناوله، وكل رغيف وضعه على مائدة أسرته.
فحين تحرس الدولة أسواقها… فإنها في الحقيقة تحرس الوطن
