منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

منال الأمين الفادني تكتب عن… هيبة المعلّم وكرامة الإنسان

0

منال الأمين الفادني تكتب عن…
هيبة المعلّم وكرامة الإنسان
في زمنٍ تتبدّل فيه القيم، وتتداخل فيه الأدوار، ويصبح فيه العنف أحيانًا أسرع من الحوار، يقف المعلّم السوداني أمام سؤال موجع: من يحمي المعلّم حين يصبح هو نفسه ضحية داخل مدرسته؟
من هنا تأتي حادثة مدرسة التدريب بمحلية كرري، التي تناقلتها الأوساط التعليمية، حين حضر أحد أولياء الأمور وتهجّم على أحد المعلمين وضربه، وبلغ الأمر حد التهديد بالسلاح والاستعداد لاستخدامه في مواجهة المعلمين.
مشهد مؤلم، لا ينبغي أن يمر علينا مرور الكرام.
وكأن لسان حال ذلك المعلم، بعد أن تعرّض للإهانة والضرب والتهديد، يقول بمرارة:
«أنا اتهنت… وانضربت… وتعمرت فيَّ الطبنجة!»
يا لها من عبارة تختصر وجعًا كبيرًا!
فالمعلم الذي كان بالأمس يقف أمام السبورة، يحمل الطباشير، ويشرح الدرس، ويصحح دفاتر أبنائنا، أصبح اليوم مطالبًا بأن يحمي نفسه من ولي أمر غاضب قد يحوّل خلافًا تربويًا إلى اعتداء جسدي وتهديد بالسلاح.
وهنا لا بد أن نقولها بوضوح:
اختلاف ولي الأمر مع المعلم لا يمنحه الحق في ضربه أو إهانته أو تهديده.
إذا أخطأ المعلم، فهناك إدارة المدرسة، وهناك اللوائح، وهناك الجهات التعليمية المختصة، وهناك أبواب للشكوى والتحقيق والمساءلة.
أما أن تتحول المدرسة إلى ساحة للضرب والتهديد، فهذا أمر خطير يمس أمن المعلم والطالب والمدرسة والمجتمع بأسره.
المعلّم ليس فوق الخطأ
لكن الإنصاف يقتضي منا أن ننظر إلى القضية من جميع جوانبها.
فالمعلم إنسان، وقد يخطئ.
وقد يسيء بعض المعلمين أحيانًا تقدير الموقف، أو يبالغون في العقوبة، أو يستخدمون أسلوبًا قاسيًا في التعامل مع الطالب.
وهذا أمر لا ينبغي تبريره.
فالمعلم صاحب رسالة، والرسالة التربوية تحتاج إلى الحكمة والصبر وضبط النفس.
ولذلك فإن الحديث عن الثواب والعقاب المدرسي أصبح ضرورة، وليس ترفًا.
العقاب في المدرسة ليس وسيلة للانتقام، وإنما وسيلة لتعديل السلوك وتقويم الخطأ.
والعقوبة الناجحة هي التي تجعل الطالب يفهم خطأه ويصححه، لا التي تجعله يشعر بالإهانة أو الخوف أو الرغبة في الانتقام.
لذلك يجب أن تكون العقوبات متدرجة، ومتناسبة مع الخطأ، وتحفظ كرامة الطالب، ولا تتحول إلى ضرب مبرح أو تعنيف أو إذلال.
فليس كل خطأ يحتاج إلى الضرب.
وقد يكون الحوار، والتنبيه، والنصح، وحرمان الطالب مؤقتًا من بعض الامتيازات، أو استدعاء ولي الأمر، أو إحالة الأمر إلى إدارة المدرسة، أكثر فاعلية من العقوبة البدنية.
المعلم القوي ليس هو الأكثر ضربًا
لقد تغيّرت أساليب التربية، وأصبح من الضروري أن يمتلك المعلم أدوات متعددة لإدارة الصف.
فهيبة المعلم لا تُبنى بالعصا وحدها.
المعلم القوي هو الذي يستطيع أن يفرض النظام بعدله، وأن يكسب احترام طلابه بحكمته، وأن يعرف متى يكون حازمًا ومتى يكون لينًا.
إن الطالب يحتاج إلى معلم يحترمه، لا إلى شخص يخشاه.
والاحترام الحقيقي لا يأتي من الخوف، وإنما من شخصية المعلم وعدله وحسن تعامله.
وهنا يأتي دور مدير المدرسة
لا يجوز أن نترك المعلم وحده في مواجهة هذه المسؤوليات.
فعلى مدير المدرسة أن يكون قائدًا تربويًا، وأن يدرّب معلميه على إدارة الصف، وتعديل السلوك، وأساليب الثواب والعقاب، وكيفية التعامل مع الطلاب المشاغبين، وكيفية احتواء المواقف الصعبة قبل أن تتفاقم.
كما يجب أن تكون هناك لوائح واضحة يعرفها الجميع:
ماذا يفعل المعلم عندما يخطئ الطالب؟
ما العقوبة المناسبة؟
متى يتدخل المدير؟
ومتى يتم استدعاء ولي الأمر؟
وكيف يتم التعامل مع الشكوى؟
وما حدود العقوبة؟
إن وضوح القواعد يحمي الطالب ويحمي المعلم ويحمي المدرسة.
ولي الأمر شريك وليس خصمًا
ولي الأمر شريك أساسي في العملية التعليمية.
وله الحق الكامل في أن يسأل عن ابنه، وأن يعرف كيف تتم معاملته، وأن يعترض على أي عقوبة يراها غير مناسبة.
لكن الاعتراض له طرقه.
الحوار أولًا، ثم الشكوى، ثم التحقيق، ثم المحاسبة إن ثبت الخطأ.
أما الضرب والإهانة والتهديد بالسلاح، فلا يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن الأبناء.
فإذا رأى ولي الأمر أن المعلم أخطأ في حق ابنه، فليطالب بحقه بالقانون، وليعلّم ابنه في الوقت نفسه أن المشكلات لا تُحل بالعنف.
فالطفل الذي يرى والده يضرب معلمه قد يتعلم أن القوة أهم من القانون، وأن العنف أسرع من الحوار.
وهذا أخطر درس يمكن أن نزرعه في نفوس أبنائنا.
كرامة الطالب وكرامة المعلم وجهان للتربية
نحن لا نريد معلمًا يهين الطالب.
وفي الوقت نفسه لا نريد ولي أمر يهين المعلم.
لا نريد طالبًا يخاف من المدرسة.
ولا نريد معلمًا يخاف من ولي الأمر.
نريد مدرسة يسودها الاحترام، ويعرف فيها كل طرف حقوقه وواجباته.
كرامة الطالب لا تعني إهانة المعلم، وهيبة المعلم لا تعني ظلم الطالب.
هذه هي المعادلة التي يجب أن نفهمها جيدًا.
المعلم السوداني يستحق الحماية
المعلم السوداني عاش سنوات صعبة، وظل يؤدي رسالته رغم الحرب والنزوح وقلة الإمكانات والظروف الاقتصادية القاسية.
وقف أمام طلابه في ظروف كان من الممكن أن تجعله يبحث عن أي عمل آخر.
حمل الكتاب والطباشير، وواصل أداء رسالته.
فهل يكون جزاؤه أن يُضرب داخل مدرسته؟
هل يصبح المعلم هو الحلقة الأضعف في العملية التعليمية؟
لا.
المعلم يحتاج إلى الحماية كما يحتاج الطالب إلى الحماية.
والمطالبة بحماية المعلم لا تعني منحه حصانة من الخطأ.
إذا أخطأ المعلم، فليحاسب.
ولكن إذا اعتُدي عليه، فيجب أن يجد من يحميه وينصفه.
رسالة إلى المعلمين
أيها المعلمون والمعلمات…
أنتم أصحاب رسالة عظيمة، فلا تجعلوا الغضب يقودكم.
لا تبالغوا في العقوبة.
لا تحولوا الخطأ الصغير إلى معركة.
لا تستخدموا العقوبة بطريقة تهين الطالب أو تؤذيه.
تذكروا دائمًا أن الطفل الذي أمامكم هو ابن أسرة، وأن مهمتكم ليست الانتقام منه، وإنما إصلاحه وتعليمه.
كونوا حازمين، ولكن كونوا رحماء.
فالحزم بلا رحمة قسوة، والرحمة بلا حزم فوضى، والتربية الناجحة هي التوازن بين الاثنين.
ورسالة إلى أولياء الأمور
أيها الآباء والأمهات…
إذا أخطأ المعلم، فليكن اعتراضكم راقيًا.
وإذا أخطأ ابنكم، فلا تجعلوا حبكم له سببًا في إفساد تربيته.
علّموا أبناءكم احترام المعلم، كما تطالبون المعلم باحترام أبنائكم.
فالمدرسة بيت العلم، وليست ساحة للخصومات.
والاختلاف لا يفسد الاحترام.
والشكوى حق، لكن الاعتداء ليس حقًا.
وأخيرًا…
إن حادثة مدرسة التدريب بمحلية كرري ينبغي ألا تكون مجرد خبر عابر ينتهي بانتهاء يومه.
بل يجب أن تكون مناسبة لمراجعة واقع التعليم، وتدريب المعلمين، وتنظيم العقاب المدرسي، وتقوية العلاقة بين المدرسة والأسرة، وتوفير الحماية للمؤسسات التعليمية والعاملين فيها.
نحن بحاجة إلى مدرسة يكون فيها:
العقاب تقويمًا لا انتقامًا.
والحزم تربية لا قسوة.
والثواب تشجيعًا لا محاباة.
والحوار بديلًا عن العنف.
والقانون مرجعًا عند الخلاف.
نريد معلمًا يحترم الطالب، وطالبًا يحترم المعلم، وولي أمر يحترم المدرسة، ومديرًا يحمي الجميع ويطبق اللوائح بعدل.
فإذا أخطأ المعلم، حاسبوه.
وإذا أخطأ الطالب، قوّموه.
وإذا اعترض ولي الأمر، فليتحاور.
لكن لا تجعلوا العصا والسلاح لغةً داخل مدارسنا.
فالمدرسة التي يدخل إليها السلاح، يخرج منها الأمان.
والمدرسة التي تُهان فيها كرامة المعلم، تهتز فيها هيبة التعليم.
ولذلك أقولها من القلب:
احفظوا هيبة المعلّم، واحفظوا كرامة الطالب، واحفظوا أمن المدرسة.
فهيبة المعلم ليست امتيازًا شخصيًا له، وإنما هي جزء من هيبة التعليم نفسه.
وكرامة الإنسان لا تتجزأ؛ لا نطالب بها للطالب وننساها للمعلم، ولا ندافع عنها للمعلم ونغفل عنها للطالب.
فلنُربِّ أبناءنا على الاحترام، ولنُدرّب معلمينا على الحكمة، ولنفتح أبواب الحوار، ولنغلق أبواب العنف.
فالسودان الذي نحلم به لا يُبنى بالخوف…
بل يُبنى بالعلم، والتربية، والاحترام، والكرامة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.