منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟ الحلقة الأخيرة : الخروج من المتاهة.. كيف تبرأ الأمم من سرطان الفساد؟

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
تحت ركام العفو: كيف كَرّس الإفلات من العقاب مأساة السلطة في السودان؟
الحلقة الأخيرة : الخروج من المتاهة.. كيف تبرأ الأمم من سرطان الفساد؟

هل سألت نفسك يوماً لماذا تنهض بعض الدول من تحت ركام الحروب الأهلية والفساد لتصبح منارات اقتصادية وأخلاقية، بينما نملك نحن كل الخيرات ونبقى محتجزين في دائرة الفقر والخراب المقيم؟

ما يحدث باختصار هو أن الأمم التي عبرت المأزق أدركت حقيقة حاسمة: الاستقرار لا يُبنى على التغاضي، والتعافي لا يبدأ بعبارة “عفا الله عما سلف”، بل ببناء جدار صلب من سيادة القانون لا يستثني أحداً. هذا ليس حديثاً عن تجارب خيالية، بل هو الدرس القاسي الذي أدركته دول كرواندا، وجنوب أفريقيا، وحتى دول أوروبا بعد الحروب العاتية.

الأسباب الظاهرة التي قد يراها البعض لنجاح تلك الدول هي تدفق المساعدات أو الدعم الخارجي. لكن النتائج الحقيقية أتت من مكان أعمق بكثير: من “المكاشفة والعدالة الناجزة”. رواندا لم تعبر المأزق بردم الجرائم تحت السجاد، بل بمحاكمات علنية وتطبيق صارم للقانون على الكبار قبل الصغار. وجنوب أفريقيا لم تمنح عفواً مجانياً، بل اشترطت عبر “لجنة الحقيقة والمصالحة” الاعتراف الكامل بالجرائم وتقديم التعويضات والاعتذار الصريح؛ أي أن الحق الخاص لم يُحفظ بقرار، بل أُعيد لأصحابه بالقانون والاعتراف.

انظر إلى الفرق الشاسع: هناك، وضعوا السياسي والمواطن العادي في كفة واحدة أمام القاضي، فنبتت الثقة ونمت التنمية. أما لدينا، فكلما وقعت الواقعة، نسرع نحو “العفو الرئاسي” والصفقات السياسية التي تضمن سلامة النخبة وتترك المواطن يعاني من انقطاع الكهرباء، وغلاء اللقمة، وانهيار المدارس. انظر كيف تسلل إفلات الفاسد من العقاب ليصبح هو السبب المباشر في بؤس المواطن الذي لا يجد شريط دواء في مستشفى حكومي.

وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة في تاريخنا: إما أن نتعلم من تجارب العالم ونفهم أن المحاسبة هي أول خطوة في التنمية وبناء الدولة، أو نصرّ على إعادة تدوير النخب بآليات العفو الفاسدة ذاتها، لننتظر حرباً قادمة بأسماء جديدة.

بعد اخير:

خلاصة القول، إن الضوء في آخر نفق الأزمة السودانية لن يسطع بقرارات العفو الفوقية، ولا بالصفقات التي تُطبخ لإنقاذ السياسيين من مقصلة القانون. لن تعبر هذه البلاد محنتها إلا حين يعلم كل مسؤول يتولى أمراً من أمر السودانيين، أن هناك محكمة لا تُشترى، وقانوناً لا يُكسر، وحقاً خاصاً لا يملك رئيسٌ ولا زعيم أن يهبه لغير صاحبه.

أخيرًا، نحن لا نحتاج إلى تجديد صكوك الغفران للذين أوصلونا إلى هذا القاع، بل نحتاج إلى الشجاعة لنقول إن زمن الصفح المجاني قد انتهى إلى الأبد. فعندما نغلق باب الإفلات من العقاب، فنحن لا نفتح باب العدالة فحسب، بل نضع الحجر الأول في بناء وطن يستحق أن يعيش فيه أبناؤنا مرفوعي الرأس.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.