منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

تعريف الإقصاء… الاختبار  الحقيقي للحوار السياسي الفاتح الشيخ 

0

 

تعريف الإقصاء… الاختبار

الحقيقي للحوار السياسي

الفاتح الشيخ

١ . بعد أن أطلق رئيس مجلس السيادة الدعوة إلى حوار سوداني ـ سوداني، صدرت تصريحات وبيانات من بعض التيارات السياسية، وإذا نظرنا إلى هذه الخطابات من زاوية الرسالة السياسية، نجد أنها تسعى إلى توفير غطاء سياسي لدعوة البرهان، مع إضافة ضمانات تتمثل في البرلمان الانتقالي والانتخابات، حتى لا يُفهم الحوار على أنه مجرد تمديد للوضع القائم.

٢ . ومن حيث المضمون، فإن معظم ما ورد في هذه الخطابات ليس جديدًا، فقد سبق أن طرحته قوى سياسية متعددة. ولذلك فإن الجديد لا ينبغي البحث عنه في العناوين، وإنما في الصياغات التي تحمل أكثر من معنى، وفي الرسائل السياسية الكامنة بين السطور.

٣ . أبرز هذه الرسائل يتمثل في الجمع بين شعار “لا للإقصاء” وشعار “المحاسبة”. فمن الناحية السياسية، لا يبدو هذا الربط عابرًا، لأنه يفتح الباب أمام أكثر من تفسير.

٤ . فإذا كانت المحاسبة تعني المسؤولية الجنائية الفردية، فلا توجد علاقة منطقية بينها وبين الإقصاء السياسي، لأن الحوار يجري بين تنظيمات وقوى سياسية، وليس بين أفراد. أما المسؤولية الجنائية فهي شأن يخص الأشخاص الذين تثبت إدانتهم أمام القضاء، ولا تمتد تلقائيًا إلى التنظيم الذي ينتمون إليه.

٥ . أما إذا كان المقصود بالمحاسبة يتجاوز هذا الإطار، بحيث تصبح أداة تحدد من يحق له المشاركة السياسية ومن يُمنع منها، فإنها تتحول عمليًا إلى صورة أخرى من صور الإقصاء، حتى وإن رُفع شعار “عدم الإقصاء”.

٦ . وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للحوار السياسي؛ فالمشكلة ليست في إعلان رفض الإقصاء، وإنما في تحديد حدوده. فمن الذي يعرّف الجريمة؟ ومن الذي يحدد من يخضع للمحاسبة؟ وهل يتم ذلك عبر قضاء مستقل أم بقرار سياسي؟ فإذا تُركت الإجابة للسلطة السياسية، فإن المحاسبة قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الإقصاء تحت عنوان العدالة.

٧ . وعند تحديد الجهات التي يدور حولها مفهوم الإقصاء، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فالحديث ينصرف أساسًا إلى تيارات وقوى سياسية ارتبطت بمراحل الصراع المختلفة، سواء من القوى التي كانت جزءًا من النظام السابق، أو القوى المرتبطة بمسار التمرد.

٨ . غير أن قراءة موازين القوى الإقليمية والدولية تشير إلى أن فرص استبعاد القوى المرتبطة بالتمرد تبدو أقل. فالمشروع السياسي الذي تدعمه الدول الغربية يقوم في أساسه على تسوية سياسية شاملة، والتسوية بطبيعتها تهدف إلى إعادة دمج أطراف الصراع في العملية السياسية. لذلك يصعب تصور أن يُدفع أحد أطراف التسوية إلى العملية السياسية، ثم يُحرم من المشاركة التي قامت عليها التسوية أصلًا.

٩ . أما القوى المرتبطة بالنظام السابق، فهي الطرف الأكثر عرضة لأن يمتد إليه مفهوم “المحاسبة” بصيغته السياسية، بما يؤدي عمليًا إلى استبعادها من المشاركة، رغم استمرار رفع شعار “لا للإقصاء”.

١٠ . ومن هنا يبرز التناقض الذي قد يواجه الحوار منذ بدايته؛ فنجاح أي حوار وطني يتطلب وضوحًا كاملًا في الفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية والحق السياسي للتنظيمات. أما إذا ظل هذا الفصل غامضًا، وبقي الربط بين “عدم الإقصاء” و”المحاسبة” مفتوحًا على التأويل، فإن شعار عدم الإقصاء قد يتحول إلى غطاء سياسي لإقصاء طرف بعينه، وهو ما قد يجعل هذه القضية القشة التي تقصم ظهر الحوار السياسي.

١١ . وتقود هذه الصياغة إلى رسالة سياسية أخرى لا تُقال بصورة مباشرة. فعلى ما يبدو، يسعى البرهان إلى إبعاد نفسه عن تحمل مسؤولية أي استبعاد سياسي محتمل، وأن تتولى القوى المشاركة في الحوار تبني هذا الموقف وإضفاء الغطاء السياسي عليه، بحيث يبدو أن أي استبعاد جاء نتيجة توافق سياسي، لا نتيجة قرار صادر من السلطة.

١٢ . يغيب عن الذين يرسمون هذه السيناريوهات أن حظر المسميات السياسية لا يعني بالضرورة إقصاء القواعد الاجتماعية التي تستند إليها. فالحركة الإسلامية، سواء اتفق الناس معها أو اختلفوا حولها، لم تعد مجرد تنظيم سياسي يمكن حله أو حظره بقرار، وإنما أصبحت تيارًا مجتمعيًا واسعًا. ولذلك فإن محاولة عزلها سياسيًا تختلف عن التعامل مع حزب محدود العضوية أو التأثير.

١٣ . وحتى إذا أُجريت انتخابات، فإن السؤال يظل قائمًا: هل يمكن عمليًا عزل تيار مجتمعي كامل عن حقه في المنافسة السياسية؟ فالحق في الاختيار يبقى، في نهاية المطاف، ملكًا للناخب، وليس للقوى السياسية التي تتولى إدارة الحوار أو رسم قواعده.

١٤ . ومن هنا تبرز معضلة أخرى، وهي أن القوى السياسية التي قد ينتهي الحوار ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ إلى منحها دورًا في إقصاء الحركة الإسلامية، لا تملك، في تقديري، الرصيد الشعبي الذي يؤهلها لتعويض الفراغ الذي تتصور أنه سينشأ عن ذلك. كما أن مجرد اجتماعها في إطار سياسي واحد لا يعني بالضرورة امتلاكها التأثير المجتمعي القادر على ملء فراغ تيار بحجم الحركة الإسلامية.

١٥ . وربما يغيب عن كثير من التقديرات السياسية أن مسار السنوات التي أعقبت سقوط الإنقاذ لم يؤدِّ إلى النتيجة التي راهن عليها دعاة الإقصاء. فقد كان الافتراض أن خروج الحركة الإسلامية من السلطة سيقود تلقائيًا إلى انحسار تأثيرها داخل المجتمع، غير أن اتساع الفجوة بين الوعود والواقع، والجدل الذي صاحب بعض السياسات والتشريعات التي رأت قطاعات من المجتمع أنها لا تنسجم مع منظومتها القيمية، كلها عوامل دفعت شريحة من الرأي العام إلى مراجعة كثير من قناعاته.

١٦ . ثم جاءت الحرب لتشكل نقطة تحول أكثر تأثيرًا. فقد ظهر انخراط قطاعات من الحركة الإسلامية في القتال إلى جانب القوات المسلحة، بينما اتجهت قوى سياسية أخرى إلى مواقف واصطفافات مختلفة. وأدى ذلك إلى إعادة تشكيل صورة الحركة الإسلامية لدى قطاع من المجتمع، ليس باعتبارها سلطة سابقة، وإنما باعتبارها طرفًا حاضرًا في معركة يراها كثيرون مرتبطة بالدفاع عن الدولة. ١٧.وبذلك جاءت النتائج، في نظر هؤلاء، على خلاف ما كان يتوقعه من راهنوا على أن الزمن وحده كفيل بإخراج الحركة الإسلامية من المشهد السياسي.

١٨ . ومع ذلك، فإن كل هذه الضغوط لم تُنه وجود الحركة الإسلامية، ولم تدفعها إلى الخروج من المشهد. وإذا كان من الممكن حظر حزب أو منع تنظيم من المشاركة بقرار سياسي، فإن من الصعب إلغاء تيار مجتمعي بوسائل قانونية أو إجرائية.

١٩. لذلك، فإن أي حوار يرفع شعار “عدم الإقصاء” ثم ينتهي عمليًا إلى استبعاد تيار ذي حضور مجتمعي، لن يكون قد حل الأزمة، بل سيؤسس لأزمة جديدة. وهنا تحديدًا قد تتحول قضية الإقصاء إلى القشة التي قد تقصم ظهر الحوار السياسي.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.