منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

صوت العقل    مُسيرات قحط وحرب الخدمات والترويع كتب / ضياء الدين سيد سمهن 

0

 

صوت العقل

 

مُسيرات قحط وحرب الخدمات والترويع

 

كتب / ضياء الدين سيد سمهن

 

لم تكن الحرب على السودان، منذ أيامها الأولى، مجرد معارك بالرصاص والمدافع والدبابات. فقد كان هناك سلاح آخر أكثر خبثاً وأشد تأثيراً في حياة المواطن هو سلاح الخدمات.

الصحة ومرافقها كانت في مقدمة أهداف هذه الحرب مستشفيات خرجت من الخدمة، ومرافق صحية تعرضت للاحتلال والتخريب، وأطباء وعاملون في القطاع الصحي وجدوا أنفسهم أمام واقع لم يكن أحد يتخيله. ثم جاءت الكهرباء والمياه، وشبكات الاتصالات، والأسواق، والمصانع، ومؤسسات الدولة، وبيوت المواطنين التي اقتحمتها القوات أو اتخذتها مواقع عسكرية.

لم يكن استهداف الخدمات نتيجة جانبية للقتال وأثر من آثار الحرب في كثير من الحالات، بل بدا في مناطق عديدة وكأنه جزء من مخطط وادوات واسلحة معركة كسر إرادة المواطن( إذا لم تستطع هزيمته في الميدان، فحاول أن تجعل حياته مستحيلة).

واليوم، يبدو أن حرب الخدمات تدخل مرحلة جديدة،فمع تزايد الحديث عن أعطال وتخريب واستهداف لمنشآت الكهرباء، ومع التصعيد الواضح في استخدام المسيرات لضرب بعض المدن وترويع سكانها، تبرز أسئلة لا يجوز الهروب منها

هل نحن أمام عمليات عسكرية عشوائية تفرضها طبيعة الحرب؟ أم اننا امام عمليات سياسيه و محاولة متعمدة لضرب مقومات الحياة، وإرسال رسالة إلى المواطن السوداني مفادها أن لا تعودوا، لا تبنوا، لا تستقروا؟

السؤال يصبح أكثر إلحاحاً لأن هذا التصعيد يحدث في لحظة مختلفة تماماً عن بدايات الحرب.

 

ففي الوقت الذي فيه أفواج من أبناء الوطن تتزاحم في طرق اووسائل ومعابر لعودة الطوعية من مصر وغيرها، والجامعات تستعد للعودة إلى مقارها في الخرطوم و رجال أعمال وأصحاب مصانع وشركات بدأوا ينظرون إلى الخرطوم لا باعتبارها مدينة حرب، وإنما باعتبارها مدينة يجب أن تستعيد حياتها.

وهنا بالضبط تكمن أهمية المعركة الجديدة.

فالعودة ليست مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى بلد. العودة قرار نفسي وسياسي واقتصادي يقول إن الحرب لم تستطع اقتلاع السودان من وجدان أبنائه، وإن الخرطوم، مهما تهدمت، ستعود ،ولذلك فإن استهداف الكهرباء والمياه والخدمات ( الذي تشير كل الدلائل الي انه متعمد )، لا يستهدف محطة كهرباء أو منشأة بعينها فقط بل إنه يستهدف فكرة العودة نفسها.

لكن هناك شيئاً يجب أن يفهمه العملاء أصحاب هذه الرهانات جيداً

لن يهزمنا أزيز المسيرات.

ولن يجعلنا انقطاع الكهرباء لساعات طويلة ننكص عن العودة او ننزح مرة أخرى

قد ينقطع التيار الكهربائي لايام وساعات ، لكن إرادة العودة لا تنقطع.

قد تتعطل المصانع، لكن عجلة الإنتاج ستدور.

قد تتضرر الطرق والمنشآت، لكن أيادي السودانيين ستعيد بناءها.

وقد تخيف المسيرة طفلاً أو أسرة في لحظة، لكنها لن تستطيع أن تخيف شعباً قرر أن يستعيد وطنه.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً خلال هذه الحرب، وتعلموا أن الوطن لا يُحمى بالكلام، وأن بناء الدولة يحتاج إلى صبر يشبه صبر الجنود في الخنادق.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط مواجهة المسيرات عسكرياً، وإنما إفشال حرب الخدمات بكل أدوات الدولة والمجتمع، السياسيه والاعلاميه

الكهرباء يجب أن تصبح أولوية أمن قومي.

المياه يجب أن تكون أولوية أمن قومي.

المستشفيات يجب أن تكون خطوطاً حمراء.

والجامعات والمدارس والمصانع والأسواق ومرافق الإنتاج يجب أن تحظى بالحماية التي تليق بهاقانونيا ضد المحرضين والساكتين والممتنعين عن الادانه والمباركين للتدمير الممنهج والمبسوطين لهذه الافعال الهمجيه من قحاطه عملا ومصححي إحداثيات ومروجي اشاعات

فلا معنى للانتصار العسكري إذا وجد المواطن نفسه بعد المعركة بلا ماء ولا كهرباء ولا مستشفى ولا مدرسة ولا مصنع فلابد من حماية ودعم الانتصار العسكري بانتصارات سياسبه وقانونيه وهذا لايتأتي باصدار قرارات العفو عن الذراع السياسي المخرض للدعم الصريع ودعوتهم للتفاوض والعوده الي حضن الوطن بل بالسعي الجاد لتطبيق العقوبات عليهم وانفاذ القانون فيهم

وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الخوف إلى أداة لإيقاف قطار العودة.

على الحكومة أن تطمئن المواطنين بالفعل لا بالتصريحات، وأن تقدم خططاً واضحة لحماية المدن والمنشآت الحيوية، وأن تصارح الشعب بحقيقة ما يحدث في قطاع الكهرباء والخدمات، وأن تكشف للرأي العام نتائج التحقيقات في أي تخريب متعمد أو استهداف للمنشآت المدنية.

أما المواطن، فعليه أن يعرف أن العودة إلى السودان ليست رحلة خالية من الصعوبات ، لكنها أيضاً ليست مشروعاً مستحيلاً.

السودان لن يُبنى في يوم، لكنه سيُبنى حتما بسواعد المخلصين من ابنائه

وكل جامعة تعود لتفتح أبوابها في الخرطوم هي صفعة في وجه مشروع التآمر علي السودان .

وكل مصنع يعاود الإنتاج هو هزيمة لمشروع الخراب.

وكل أسرة تعود إلى بيتها هي إعلان بأن الترويع فشل.

وكل مستشفى يستعيد عمله هو انتصار للحياة.

وكل عمود كهرباء يعود إلى الخدمة هو خطوة في طريق استعادة الدولة.

أما عن قحط ودورها السياسي وعن دول الجوار وغيرها الداعمه للتمرد واولها دويلة الشر وشاد وليبيا وجنوب السودان واثيوبيا أو عن أي دعم إقليمي للحرب، فيجب توثيق هذه المؤامره متعددة الاقطاب وتحديد المسؤولية القانونيه والسياسيه لكل متورط ،

وإذا كانت هناك جهات سياسية أو إقليمية متورطة في دعم الحرب أو إطالة أمدها، فإن الطريق الصحيح هو كشف ذلك بالأدلة ومحاسبة المسؤولين عنه عبر مؤسسات الدولة والمؤسسات الامميه

فالسودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاجون إلى الحقيقة.

 

من يضرب الكهرباء يضرب المواطن،

ومن يضرب المستشفى يضرب الحياة،

ومن يحتل بيت المواطن يضرب معنى الوطن.

ومن يرسل المسيرات لترويع المدن يريد أن يضرب إرادة العودة،واستمرار نزوح وتشريد السودانيين

لكن إرادة الشعوب ليست محطة كهرباء يمكن إطفاؤها بزر.

لقد صمد السودان أمام الرصاص، وسيصمد أمام المسيرات.

وصمد أمام النزوح، وسيهزم آثار النزوح.

وصمد أمام الخراب، وسيعيد البناء.

وسيظل السودانيون متمسكين بحقهم في وطن آمن، موحد، مستقر، قادر على استعادة عافيته، مهما تعددت الجهات التي تريد لهذا الوطن أن يظل ساحة للحرب ومشروعاً للفوضى.

قد تنجح المسيرة في قطع التيار لساعات، لكنها لن تستطيع إطفاء نور العودة.

ذلك النور، ببساطة، أصبح أكبر من الحرب.

وأقوى من الترويع.

وأبقى من كل الذين راهنوا على أن ينسى السودانيون طريقهم إلى وطنهم، فالطريق الي الوطن مرسوم في الافئده والقلوب

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.