منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

عرش السيادة المسترد.. القصر الجمهوري من طعنة الغدر إلى فجر التعافي .. د. إسماعيل الحكيم

0

 

عرش السيادة المسترد.. القصر الجمهوري من طعنة الغدر إلى فجر التعافي ..

د. إسماعيل الحكيم

تتزامن في وجدان الأمة السودانية اليوم إشراقتان تُعيدان ترتيب الذاكرة والروح؛ إشراقة الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف وما يحمله في زفته ونفحات تعبُّده من ميلادٍ للقيم الإنسانية .، وتأسيسٍ لمكارم الأخلاق، وبعثٍ لأمة أخرجت النور من رحم الظلمات.. وإشراقة عودة السيادة السودانية في زفة دخول الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري ومباشرة مهامه الرئاسية منه. كلاهما في الميزان الوطني ميلاد؛ فإذا كان المولد النبوي الشريف إعادة استذكار لولادة الحق واستقامة الفطرة، فإن إعادة افتتاح القصر وتطهيره تُشكِّل إحياءً لجسد الدولة، وبعثاً للثوابت الوطنية، وإعلاناً صريحاً بأن القيَم التي بُعث بها النبيّ الكريم من عدلٍ وكرامةٍ هي ذاتها الأركان التي يُستعاد بها الوطن.

إن القصر الجمهوري في الخرطوم يقف كقلبٍ ينبض في جغرافيا الجسد السوداني، شاهداً أزلياً على ميلاد الدولة الحديثة وتشكيل ملامحها السياسية. إذ لم يكن هذا الصرح عبر تاريخه الممتد منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر نسيجاً من أحجارٍ صامتة، إنما خزانةً لذاكرة الأمة الهيكلية، وحصناً رمزياً تتكئ عليه سيادة البلاد. فمنذ أن أُطيح بالعلم الأجنبي فوق هاماته، وتولى زمام الحكم فيه أكثر من اثني عشر حاكماً ورئيساً ومجلس سيادة — بدءاً من عهد الاستقلال والزعيم إسماعيل الأزهري، مروراً بالحقب العسكرية والمدنية المتعاقبة، وصولاً إلى المشير عمر البشير والفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان — استقر في وجدان السودانيين أن إدارة الشأن العام والشرعية الدستورية تتخذان من هذا البلاط مستقراً ومقاماً.

ولهذا السبب تحديداً، اتجهت أصابع الغدر والتمرد في الحرب الأخيرة نحو قلب الصرح؛ إذ أدركت المليشيا أن استباحة القصر وتدمير أجزاء واسعة منه وعبثها بمحتوياته التاريخية يمثل محاولة مستميتة لكسر هيبة الدولة وتشوية رمزيتها. غير أن صمود هذا الصرح لم يُكتب بالأحجار وحدها، ولكن تعمد بدم الأطهار؛ إذ شهدت أسوار القصر وتحت جدرانه استشهاد كوكبة نيرة من خيرة الإعلاميين العسكريين والمدنيين، الذين حصروا أجسادهم وأقلامهم وعدساتهم في خط الدفاع الأول عن الحقيقة والرمزية الوطنية. فلم تكن دماء أولئك الأبطال محطةً ختامية للمسيرة، إنما تحولت إلى زادٍ معنويٍ دافق، وشعلة نارية غذّت روح الصمود وشحذت همم المرابطين نحو التحرير وتحقيق النصر المرتجى.

إن شواهد التاريخ تؤكد دائماً أن الأبنية التاريخية تستمد بقاءها من صلابة الشعوب وتضحيات شهدائها لا من قوة السلاح العابر؛ فجاءت عودة البرهان ومباشرته لمهامه الرئاسية من داخل القصر النقطة الفاصلة التي أغلقت كتاب التمرد وطوت صفحات أوهامه. إن فتح القصر وتطهيره من دنس السلب والخراب يشكل الإعلان الفعلي لعودة الدولة إلى مركز قيادتها، وينقل البلاد رسمياً من مرحلة الاستبسال الدفاعي إلى فضاء بناء ما بعد الحرب، مُوفياً بعهد الشهداء الذين سقت دماؤهم ثرى هذا البلاط.

غير أن هذه اللحظة الفارقة لا تكتمل دلالتها دون الغوص في عمق الفاجعة للاستلهام واستخلاص العظات؛ إذ إن المرارات الجسام التي لحقت بأهل السودان — من تهجيرٍ قسري، واستباحةٍ للأعراض والأموال، ودمارٍ شامل للبنى التحتية — رسمت بمداد الآلام دروساً لا يجوز لضمير الأمة أن يتجاوزها:

أولها وأشدها قسوة تتجلى في حقيقة أن الأوطان لا تُبنى بالسلاح الموازي، وأن احتضان أو مهادنة أي تشكيلات عسكرية خارج نطاق الجيش الوطني الشامل ليس سوى زرعٍ لبذور الفناء في جسد الدولة؛ فلن تحمي البلاد إلا مؤسسة عسكرية واحدة تدين بالولاء للأرض والشعب لا للأفراد والأجندات.

وتأتي العبرة الثانية لتكشف عورة التشظي الاجتماعي والجهوي؛ إذ أثبتت الحرب أن الخطاب الفئوي والانقسام السياسي كانا الثغرة النافذة التي دخلت منها يد الغدر لتمزيق النسيج السوداني، وأن حماية الأمة تبدأ من ترسيخ اللحمة الوطنية واعتبار المواطنة المتساوية العقد الناظم للجميع.

أما العبرة الثالثة فتكمن في إعادة إدراك مفهوم “هيبة الدولة” ليس كرفاهية سياسية، وإنما كدرعٍ واقٍ لحياة المواطن العادي؛ فقد كشفت تجربة التمرد أن انهيار مؤسسات الدولة المركزية وسقوط الرموز السيادية يعقبه فوراً استباحة تفاصيل الحياة اليومية للبسطاء، مما يجعل احترام الرمزية السيادية واجباً وطنياً يتجاوز الأشخاص إلى الشخوص الاعتبارية للدولة.

وتتوج هذه العظات بدرس الوعي بقيمة الاستقرار والأمن الدائم؛ فالأمم لا تدرك حجم النعم إلا حين تفقدها، والتعافي الحقيقي ينبغي أن يستند إلى بناء مجتمعٍ مدركٍ لمسؤولياته، يرفض ظواهر الفوضى، ويؤسس لعدالة انتقالية وسيادة صارمة للقانون تمنع تكرار المأساة.

وهكذا يستوي القصر الجمهوري مجدداً في مهابته المعهودة، متوشحاً بوفاء الشرفاء ونفحات المولد الشريف، ليبرهن على أن مؤسسات السودان عصية على المحو والاندثار، وأن رحلة البناء والتعافي قد انطلقت بالفعل؛ وهي مسيرة تتطلب إرادةً صلبة لترميم الوجدان الوطني المكلوم، وتستوجب تحويل عبء هذه المأساة وتضحيات الشهداء إلى مداميك راسخة تُشيَّد عليها نهضة السودان الجديد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.