منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

د. عثمان البشير الكباشي يكتب: *الشيخ بكري عبد الحفيظ: السفر في فجر الكمال* 1942م – 2024

0

د. عثمان البشير الكباشي يكتب:

*الشيخ بكري عبد الحفيظ: السفر في فجر الكمال*
1942م – 2024

المحبون نحيب وابتهال
وعيون الشعر دمع فارتحال

والفراديس التي وشيتها من قوافيك
استباحتها الرمال
والعصافير التي شاركتها رنة الأسحار صمت فاعتزال
يا حبيب الناس قد أتعبتهم
هذه الأحزان فوق الإحتمال
……………….
………………..
حينما واعدتنا بالزورة
انتشى الليمون في طلعته
والنخل طال
لكن الكوكب قد غافلنا
سافر الكوكب في فجر الكمال.

[ الشاعر خالد فتح الرحمن في رثاء شيخ شعراء السودان عبد الله الشيخ البشير ]

في مستشفى عين شمس التخصصي بالقاهرة ، وفي أول الهزيع الثاني من ليلة السابع من رمضان 1445 ، وفي موعده المعتاد الذي ينتظره لمناجاته اليومية مع ربه منذ أن عرف فلزم .
ومع تنزل ملائكة الأسحار عرجت روحه الطيبة إلى باريها وفارقت الجسد الذي أنهكته العلة ولكن ما زادت تلكم الروح إلا إشراقا وتوهجا.
فسافرت في فجر كمالها البشري ، حيث مستقر الرحمة .
الشيخ بكري عبد الحفيظ محمد حسان مخلوق من طينة مزجت بالعزائم والإرادات المتينة والتطلع أبدا لثريات الكمال ، لا يهدأ حتى ينالها في كل طور من حياته ، ثم ما يلبث أن يتعلق بأخرى تتطلب كدحا أشد من سابقتها ، فهو في جهاد لا ينقطع على مدارج التشوف (للوصول ) الذي كلما لامس بعضه ، تعلقت روحه بأفق أبعد ، فهو يحمل نفسا لا تقنع إلا بادراك ( مقامات الرجال ) ،،، ويالها من مقامات متعبة عصية إلا لأهل العزائم أمثاله .
التحق بكلية العلوم جامعة الخرطوم تمهيدا لدراسة الطب ، ولكن عقل المهندس داخله أزعجه فتحول من الطب لدراسة الهندسة بالمعهد الفني ( جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا لاحقا ).
بعد عودته من الدراسات العليا ببريطانيا اشتغل في الوظيفة العامة بهيئة توفير المياه ، ولكن فطرة التجارة الموروثة من أهله الكوارته وآفاق الطموح التي تسكنه جعلته يغادر باكرا الوظيفة الحكومية ليؤسس عملا خاصا شريكا مع بعض أهله ، هم برأس المال وهو بالأفكار والإدارة .
ثم سرعان ما تحرر من كل قيد ودخل في مغامرة كبرى لا يحتملها أهل التجارة ، فأسس متوكلا على الله مجموعة ورش المعرفة الهندسية بفروعها في كل من الخرطوم وبحري وأم درمان .
صارت المعرفة الهندسية رائدة أعمال الخراطة في البلاد .
وتوسعت أعماله بتعاقدات ووكالات مع شركات معتبرة في اليابان وأوروبا ، حتى صار إسم المعرفة على لسان كل عابر للمناطق الصناعية الثلاث بالبلاد .
ثم ذهب للقاهرة أول تسعينات القرن الماضي ليؤسس فرعا للمعرفة هناك .
كان الرجل صاحب رؤية طموحة في توطين صناعة ( وليس استيراد ) قطع الغيار ، لا لتغطية حاجيات الآليات والسيارات وحسب ولكن أيضا لكل مصانع البلاد بما في ذلك مصانع السكر والأسمنت والصناعات الغذائية والاستراتيجية .
سعى لبناء تحالف بين المنطقة الصناعية والمصانع الوطنية ، وبالتجربة العملية غطى حاجة العديد من المصانع بقطع غيار محلية الصنع وبجودة عالية وأسعار تصل لربع تكلفة المستوردة .
كان جناح المعرفة بمعارض( صنع في السودان ) محط الأنظار، وموقع تفاؤل بعض أهل الصناعة الوطنية ، لما تصدت المعرفة ( بمعرفة ) وفرت بها المال والزمن .
و(لكن) وتعلمون ما يتبع (لكن) في بلادنا مما لا يناسب هذا المقال في رثاء الراحل صاحب العقل الكبير .
قد يظن القارئ لهذا الجزء من المقال بأننا أمام سيرة رجل أعمال ومهندس ومبتكر ناجح وحسب .
هذا صحيح ولكن هذا الجانب من سيرة الشيخ المهندس بكري هو الأقل أهمية عنده وعند عارفيه ، فالأهم والأعظم فيه شيى مختلف تماما .
الشيخ الراحل بكري عبد الحفيظ مع علو كعبه المعرفي والمهني شخص بسيط المظهر لا يتميز في ملبسه إلا ( بكرابة ) السادة السمانية بعد أن سلك طريقها على يد الشيخ زين العابدين الشيخ الحسن حفيد مؤسس الطريقة السيد أحمد الطيب ود البشير.
الشيخ زين العابدين (رجل شمبات ) نفسه شخصية متفردة متميزة جمع بين الإرشاد والنقاء الروحي والجاذبية .
سلك الطريق على يديه خلق كثير لاسيما نخبة المجتمع ومتعلميه، كان بحق قدوة للسالكين وموردا عذبا روى ظمأ الباحثين عن طريق الرجعى إلى الله.
تميز تلاميذه هو بعض تميز شيخهم الذي تعلق به كل من عرفه .
كان الشيخ بكري يرى في مرشده قدوة ومثالا ، لا يرد له كلمة ولا يعصي له أمرا ولا يراه إلا قبلة للحقيقة ومنهلا للشريعة ، ينتظر كل إشارة عابرة منه فيتمسك بها قولا وفعلا .
بقدر ما رأيت محبة وولاء الأتباع لقدواتهم الروحيين والفكريين والسياسيين والاجتماعيين ، ما رأيت مثل ولاء ومحبة والتزام الشيخ بكري بشيخه زين العابدين قط ، ولا أتصور شبيها لتلك العلاقة في دنيا البشر .
كان نصيب الشيخ بكري من الخطة الاسكانية قطعة أرض مميزة في مدينة الرياض بالخرطوم ، حيث سكنى النخبة وأهل الثراء ، ولكنه أصر أن يسبدلها بقطعة أرض شمبات الحله ، أقل في قيمتها المادية ولكن الأهم عنده قربها من مسجد شيخه .
كان الشيخ بكري في مقام الإبن للشيخ زين العابدين ، يلازمه أينما ذهب ، خلفه في الصلوات الراتبة بمسجده ، وفي مجلس ذكر الجمعة الاسبوعي بمسجد الشيخ قريب الله بأم درمان وفي مجالسه العامة أو الخاصة داخل غرفته وفي زيارات الأحباب وتشييع الموتى ومنازل العزاء والفرح وفي رحلة الحج السنوية .
هاتفته في مرضه الأخير وهو طريح مستشفى مروي ، ولما سألته عن صحته ، أجابني : ( أنت تعلم بأن ابني الصغير اسمه زين العابدين) ، سؤالي كان عن حاله وإجابته كانت عن ( أحواله ) بلغة أهل التصوف !!!!!

كان الشيخ بكري شديد التعلق بالديار المقدسة ، ما تخلف -إلا نادرا – عن الحج والعمرة السنوية منذ نحو خمسين عاما ، تهيج أشواقه عند اقتراب المواسم فلا يصرفه عن ذلك عسر مال ولا مشقة سفر أو إجراءات .
بعد انتقال الشيخ زين العابدين تواصل وده ومحبته لخليفته وابنه المرحوم الشيخ الخلوق الشعراني ومن بعده لحفيده المبارك وخليفته الشيخ أحمد بن الشيخ الشعراني .
كان الشيخ بكري عبد الحفيظ من الذاكرين الله كثيرا .
يتبين لي عجزي عن بلوغ مراقي الرجال في قيام الليل كلما أقارن حالي معه ، وأجدني متقاصرا كثيرا أمام آيات القيام في سورة السجدة : [تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ] والمزمل : ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ۝١ قُمِ ٱلَّیۡلَ إِلَّا قَلِیلࣰا ۝٢ نِّصۡفَهُۥۤ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِیلًا ۝٣ أَوۡ زِدۡ عَلَیۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا ۝٤﴾والذاريات : [كانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)] .
للشيخ بكري جلد عجيب في مكابدة الليل لا يشبه عجزي وأمثالي .
ظل ملازما لقيام الليل في حله وترحاله ، في شبابه وشيخوخته، في عافيته وعلته ، يتجافى جنبه عن مضجعه بعد الواحدة ليلا مهما كان متعبا أو حتى مريضا .
يحرص على الجماعة في كل الأحوال،
يواظب على أوراده الطويلة ما بين الصلاة والأذكار والصلاة على سيد الأنام صلوات ربي وسلامه عليه وصيام التطوع ، ولا يشغله هذا عن عمله الذي كثيرا ما تتعدد وتتكاثف مهامه .
كان الشيخ الراحل نموذجا في السخاء والكرم .
داره الواسعة مفتوحة ، طعامه مبذول بسخاء للأحباب وعابري السبيل .
يتكفل في كل رمضان بإخراج عشرات الموائد في كل يوم لإفطار عابري السبيل من العامة والفقراء .
كما يتكفل في شهر ربيع من كل عام باطعام كل المحتفلين بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم في خيام الطريقة بمدينة بحري .
وله توسعة ونفقة سنوية في احتفالات الإسراء والمعراج وليلة النصف من شعبان وغيرها .
تتميز موائده للفقراء بالثراء والتنوع خاصة اللحوم والحلويات ويحرص أن يضيف إليها ما يفرح المحرومين .
ظلت نفقاته قائمة مهما تبدلت أحواله المادية بين يسر وعسر وسعة وضيق .
كان أشد ما يؤلمه أن لايجد ما ينفقه ، يتحمل كل تقلبات الحياة والتجارة ولا يعبأ بها ، المهم عنده أن لا تتأثر نفقات رمضان والمولد والإسراء وحاجيات الفقراء .
كان الشيخ بكري بارا بوالديه ، رصدت عن قرب ولربع قرن من الزمان بره لأمه التي رحلت في مارس 2014 وسبقها أبيه بنحو ثلاثين عاما .
بره بها يفوق كل وصف ، لا يقضي شأنا دون مشورتها ، ولا يقدم فوق قولها رأيا ، لا يرد لها إشارة أو تلميحا دعك من طلب أو رغبة .
لا يقرب ما يعكر عليها مهما كانت أهميته عنده .
إن رأى فيها ميلا لأمر سارع بانجازه مهما كلفه .
يصحبها في كل عام للحج وأكثر من مرة للعمرة في ذات العام فقد كانت متعلقة بهما وكان هو طوع رغباتها .
يطيل الجلوس بين يديها صباحا ومساء مهما كانت التزاماته، حتى يغلبه النوم على كرسيه ، فلا ينصرف عنها إلا بعد الحاحها .
وكذلك بره بأخواته وإخوانه .
زوجني شقيقته الصغرى سامية من بيته الذي كانت تعيش فيه بعد رحيل والدها وكذلك حاله مع جميع اخوانه وأخواته الصغار ، كان لهم في مقام الأب والأخ والمربي في آن .
حينما اندلعت الحرب في السودان ، كان الراحل الشيخ بكري يستعد لموسم حجه السنوي ، وبعدها غادر إلى موطنه الأول ،فأقام في دار والده في كورتي بالولاية الشمالية التي غادرها قبل نصف قرن ، ثم مستشفيا في القاهرة قبل خمسة أسابيع من رحيله الفاجع .
حينما عرج الشيخ بكري عروجه الأخير ، وددت لو كان قبره في بلاده خوف أن يحرم دعاء أحبابه الكثر ، ولكن المفاجأة حينما وصل جثمانه مقابر عين شمس ،استقبلته حشود لا تقل عن حشود المشيعين بالسودان ، حتى إضطر إمام مسجد سيدنا عبدالله بن مسعود أن ينبه المصلين أن يقاربوا الصفوف حتى يستوعبوا الحشود خارج المسجد ، حينما نقلت هذا المشهد لشقيقه وحبيبه الحاج عمر ذكرني بقول سيدنا أحمد بن حنبل 🙁 موعدنا الجنائز ) .
لابد لهذا المقال من ختام ، وإن كانت مآثر الشيخ الراحل أجل من أن تحيط بها هذه السطور.
رحم الله الشيخ بكري فقد ترك سفرا من المكارم تلهم أجيالا من أحبابه وأرحامه وذريته الذين حصر أسماؤهم في أسماء محبوبه الأعظم سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه فهم محمد ومصطفى وأحمد ومحمود وأصغرهم زين العابدين سمى شيخه .
وبناته البارات إقبال والهام ورضا ، وسعاد ووداد ، والأخيرتين سبقنه إلى الدار الآخرة قبل سنوات .
وإخوانه علي وميرغني وابراهيم ومحمد وعمر وعثمان وأخواته فاطمة وزينب وآمنة ونعمات وفائزة وسامية .
ورفيقة عمره زوجته الحاجة العافية كمبال وزوجته الأخرى آمنة أم زين العابدين.
اللهم هذه شهادتنا في فقدنا الجلل وأنت به أعلم ، نسألك أن تجزل له الثواب وتسكنه الفردوس الأعلى من الجنة وترضى عنه وترضيه وتجزيه بخير ما تجازي به عبادك الصالحين ولا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.