في مرحلة الإعمار… أصبح للمال العام سيفان ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
في مرحلة الإعمار… أصبح للمال العام سيفان
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

إلى كل من تسول له نفسه أن يمد يده إلى المال العام، أو يتلاعب بعقود الإعمار، أو يبدد موارد الدولة، أو يحول أموال الشعب إلى منافع خاصة: إن السودان الذي ينهض من تحت ركام الحرب لا يملك جنيها واحدا للهدر، ولا يحتمل صفقة فاسدة، ولا يقبل أن تتحول معاناة المواطنين واحتياجاتهم إلى أبواب للثراء غير المشروع.
لقد أصبح للمال العام سيفان من سيوف الدولة: المراجع العام، وهيئة النزاهة والشفافية. سيفان يعملان تحت سلطان القانون، لا بالتشهير ولا بالتشفي، ويحميان حقوق الشعب، ويعززان هيبة الدولة، ويطمئنان المسؤول النزيه، ويكشفان كل انحراف يمس أموال الإعمار ومستقبل الأجيال.
أولا: المراجع العام… عين الشعب وضمير الدولة المالي
نحن اليوم نعيش مرحلة الإعمار واستعادة الدولة ومؤسساتها وخدماتها الأساسية. وفي هذه المرحلة تتعدد العقود والمشتريات، وتتدفق المنح والقروض والتبرعات، وتتوسع مشروعات الكهرباء والمياه والطرق والصحة والتعليم والإسكان. وكلما اتسعت أبواب الإنفاق، وجب أن تتسع معها دوائر المراجعة والرقابة والمساءلة.
فالرقابة على المال العام ليست مجرد فحص للدفاتر أو مطابقة للأرقام والمستندات، بل هي فلسفة دستورية في الحكم الرشيد، تقوم على أن المال العام ملك للشعب، وأن الدولة ليست مالكة له، وإنما أمينة عليه، وأن كل مسؤول يتصرف فيه إنما يفعل ذلك لتحقيق المصلحة العامة ووفقا للقانون.
ومن هنا تتجلى أهمية المراجع العام بوصفه عين الشعب على أمواله وضمير الدولة المالي. وفي مرحلة الإعمار، لا ينبغي أن تقتصر المراجعة على اكتشاف المخالفات بعد اكتمال المشروعات وصرف الأموال، بل يجب أن تكون سابقة ومصاحبة ولاحقة، تفحص سلامة التعاقدات، وتراقب التنفيذ، وتقيس جودة الإنجاز، وتتحقق من عدالة الأسعار وتحقيق القيمة الحقيقية مقابل المال.
ومن المهم أن يكون للمراجع العام حضور مؤسسي فاعل داخل الوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات الحكومية، وبصفة خاصة الجهات المرتبطة بالإعمار والمالية والطاقة والمياه والطرق والصحة والتعليم والمشتريات العامة.
ونأمل من السادة الوزراء والمسؤولين، كل في موقعه، أن يولوا مكاتب المراجع العام ما تستحقه من تعاون وتيسير، وأن يوفروا لها البيئة الملائمة لأداء رسالتها، من مقار مناسبة، وربط إلكتروني، ووسائل عمل وحركة، وإتاحة العقود والسجلات والحسابات والمعلومات دون تأخير أو حجب.
إن هذا التعاون لا ينتقص من صلاحيات الوزير، بل يحمي القرار التنفيذي، ويعزز سلامة الأداء، ويمثل سندا للمسؤول النزيه، على أن يظل المراجع العام مستقلا فنيا وإداريا، بعيدا عن أي تدخل قد يؤثر في أعماله أو تقاريره.
ثانيا: هيئة النزاهة والشفافية… وقاية الدولة وسياجها ضد الفساد
أما هيئة النزاهة والشفافية، فهي السيف الثاني في حماية المال العام. ودورها لا يبدأ بعد وقوع الفساد فقط، بل يتقدم عليه بالوقاية، وتحليل المخاطر، وكشف مواطن تضارب المصالح، وتعزيز قيم النزاهة داخل مؤسسات الدولة، ومتابعة الشبهات والبلاغات وفقا للقانون.
إن مرحلة الإعمار تحتاج إلى هيئة حاضرة وفاعلة، تراقب البيئات التي قد ينمو فيها الفساد، وتساعد مؤسسات الدولة على إغلاق منافذ المحاباة واستغلال النفوذ والتلاعب بالعقود والمشتريات.
كما ينتظر من الهيئة أن تعمل بالتنسيق مع النيابة العامة والجهات العدلية المختصة، بما يضمن التحقيق في الشبهات، واسترداد الأموال العامة، ومساءلة المعتدين عليها، مع احترام سيادة القانون وضمانات العدالة والمحاكمة المنصفة.
وكما شهدنا انطلاق ديوان المراجع العام من مقره في قلب الخرطوم، فإننا نتطلع بذات الأمل والعزم إلى أن نرى هيئة النزاهة والشفافية تنطلق بكامل صلاحياتها وكوادرها وأدواتها، حاضرة في مؤسسات الدولة، وفاعلة في حماية أموال الإعمار.
وتنشأ القوة الحقيقية عندما يعمل المراجع العام وهيئة النزاهة والشفافية في تكامل مؤسسي منظم؛ فالمراجع العام يكشف الاختلال المالي والإداري، والهيئة تتصدى لمخاطر الفساد وتغلق منافذه، بينما تتولى سلطات العدالة التحقيق والمحاكمة وفقا للقانون.
إن الإعمار الحقيقي لا يبني الحجر وحده، بل يبني دولة تعرف من أين جاء المال، وأين أنفق، ومن تعاقد، وما الذي أنجز، ومن يتحمل المسؤولية عند التقصير.ومن يقترب من المال العام بغير حق، عليه أن يدرك أن عين المراجعة قد فتحت، وأن راية النزاهة يجب أن ترتفع، وأن للدولة سيفين يحميان حقوق الشعب: مراجع عام مستقل، وهيئة نزاهة وشفافية قوية، يجتمعان تحت سلطان القانون من أجل سودان يقوم على الأمانة والعدالة والمؤسسات
