حوار السودان الأخير… بين إنقاذ الوطن وإعادة تدوير الأزمة كوداويات ✍️ محمد بلال كوداوي
حوار السودان الأخير… بين إنقاذ الوطن وإعادة تدوير الأزمة
كوداويات
✍️ محمد بلال كوداوي

في ظل واقع سوداني مثقل بالجراح حيث أكلت الحرب الأخضر واليابس، وأصبح المواطن يدفع ثمن صراعات السياسيين والعسكريين، تبرز الحاجة إلى حوار سوداني سوداني حقيقي لا يكون مجرد منصة لتوزيع المناصب أو إعادة إنتاج الأزمات، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
الحوار الذي يُطرح اليوم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره صفقة سياسية بين أطراف متنافسة، بل باعتباره محاولة لإنقاذ وطن تتآكل مؤسساته، ويحتاج إلى صوت العقل قبل أن تضيع المزيد من الفرص.
إن أي حوار جاد لا بد أن ينطلق من حقيقة أساسية: السودان أكبر من الأشخاص والأحزاب والجماعات. فلا يمكن اختزال وطن بحجم السودان في خلافات نخب سياسية ظلت لعقود تدور في نفس الحلقة، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن الفشل والانقسام.
ومن أهم ما يميز أي حوار ناجح أن يكون شاملاً لكل القوى الوطنية التي تؤمن بوحدة السودان وسيادته، بعيداً عن الإقصاء والانتقام، وفي الوقت نفسه بعيداً عن منح صكوك الغفران لمن ارتكب جرائم أو انتهك حقوق الشعب. فالعدالة والمصالحة ليستا خصمين، بل جناحان لا يستقيم بناء الدولة بدونهما.
إن الحديث عن “معركة الكرامة” أو غيرها من الشعارات الوطنية يجب أن يُترجم إلى مشروع دولة يحفظ كرامة المواطن، ويوفر الأمن والخدمات، ويعيد هيبة المؤسسات، لا أن يتحول إلى أداة لتكريس الانقسام أو تخوين كل من يختلف في الرأي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المعارك الكلامية، فقد اكتفى الشعب من أصوات الرصاص والخطب الغاضبة. يحتاج إلى مشروع وطني يعالج جذور الأزمة: ضعف الدولة، انتشار السلاح، تسييس المؤسسات، الفقر، والتهميش التنموي.
والحوار الحقيقي ليس ضعفاً ولا تنازلاً، بل هو سلوك الدول التي تبحث عن مستقبل أبنائها. لكن نجاحه مرتبط بصدق المشاركين فيه، ووضع مصلحة السودان فوق المصالح الشخصية والحزبية.
لقد أثبتت التجارب أن لا طرف يستطيع إلغاء الآخر في السودان، وأن محاولة حكم البلاد بمنطق الغلبة ستقود إلى دورات جديدة من الصراع. الطريق الوحيد للخروج من النفق هو تأسيس عقد وطني جديد، يشارك فيه السودانيون جميعاً، ويضعون فيه قواعد واضحة لدولة القانون والمواطنة المتساوية.
في النهاية، السؤال الأكبر ليس: من انتصر على من؟
بل: كيف ننتصر جميعاً للسودان؟
فالوطن الذي ننقذه اليوم هو الإرث الذي سنتركه لأبنائنا غداً، والتاريخ لا يرحم من قدموا مصالحهم الخاصة على حساب أوطانهم.
