الكتلة الديمقراطية مع البرهان شرعية الحوارات أم شرعية الشعب؟ د. الفاتح الشيخ
الكتلة الديمقراطية مع البرهان
شرعية الحوارات أم شرعية الشعب؟
د. الفاتح الشيخ
١. حملت تصريحات الكتلة الديمقراطية عقب لقائها برئيس مجلس السيادة إشارات بشأن إطلاق عملية سياسية تقوم على حوار سوداني ـ سوداني تشارك فيه كل القوى السياسية دون إقصاء، وفق رؤية مشتركة، دون توضيح حول طبيعة الحكومة التي ستكون نتاج هذا الحوار: حكومة منتخبة أم انتقالية.
٢ . كما نقلت التصريحات تأكيدات البرهان بعدم الدخول في أي تفاوض مع التمرد قبل خروجه من المناطق التي يسيطر عليها. وهو ما يطرح سؤالًا آخر: هل يمثل هذا الخروج جواز مرور للمشاركة في الحوار السياسي المشار إليه؟
٣. وإذا كان الأمر كذلك، فما العلاقة بين حوار القوى السياسية فيما بينها، وبين الترتيبات العسكرية الخاصة بإنهاء أوضاع قتالية فرضتها الحرب؟ فالحوار السياسي يفترض أجندة سياسية بين قوى مدنية، بينما التعامل مع قوة مسلحة متمردة يرتبط أولًا بترتيبات عسكرية وأمنية لإنهاء حالة الحرب.
٤. وتفتح هذه التصريحات بابًا لأسئلة عديدة: فهل نحن أمام عملية سياسية جديدة؟ ومن يملك حق إطلاقها وتحديد إطارها؟ هل هي قيادة الدولة، أم أن الكتلة الديمقراطية بعد اجتماعها مع البرهان أصبحت وصية على بقية الأطراف السياسية الأخرى؟
٥. والسؤال الأهم: هل يقود هذا الحوار، حال نجاحه، مباشرة إلى حكومة منتخبة تستمد شرعيتها من الشعب، أم إلى مرحلة انتقالية جديدة؟ فإذا كان الخيار الثاني هو المطروح، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: لماذا يحتاج السودان إلى مرحلة انتقالية أخرى بعد سبع سنوات من الانتقال المتواصل؟
٦. فمنذ عام ٢٠١٩ ظل السودان يعيش في ظل ترتيبات انتقالية متعاقبة، تغيرت خلالها الحكومات، وتبدلت الشراكات، وتعددت المبادرات، بينما بقيت النتيجة الأساسية واحدة، وهي غياب المؤسسات المنتخبة التي تستمد شرعيتها من الشعب.
٧. وإذا كانت الحرب هي المبرر الذي يُستند إليه لتأجيل الانتخابات واستمرار المرحلة الانتقالية، فإن الحرب تقودها المؤسسة العسكرية، وليست حكومة مدنية تمارس مهامها الطبيعية. وبالتالي فإن استمرار غياب المؤسسات المنتخبة يحتاج إلى إجابة واضحة حول طبيعة المرحلة وحدودها الزمنية.
٨. لذلك فإن أي دعوة إلى مرحلة انتقالية جديدة تحتاج إلى تبرير سياسي ودستوري يتجاوز مجرد الرغبة في إعادة ترتيب المشهد.فالحكومة التي تأتي عبر اتفاق سياسي دون تفويض انتخابي تحتاج إلى أساس دستوري واضح يحدد صلاحياتها وآليات الرقابة عليها، حتى لا تعيد إنتاج الإشكال الذي صاحب المراحل الانتقالية السابقة.
٩. ومن هنا يصبح النقاش حول من يشارك ومن يُستبعد من الحوار السياسي نقاشًا في غير موضعه فالقضية الأساسية هي: من هو صاحب الحق في تحديد الطريق الذي يعيد حق اختيار السلطة إلى صاحبه الحقيقي، وهو الشعب السوداني؟
١٠. وتظهر هنا إشكالية الإقصاء بوضوح في الجدل الدائر حول مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية. فالكتلة الديمقراطية تؤكد أن الحظر القانوني الداخلي يمثل العقبة أمام مشاركة المؤتمر الوطني، ثم تعلن في الوقت نفسه أنها لن تسعى إلى رفع هذا الحظر لأنه شأن يخص الحزب نفسه.
١١. وهنا تظهر المفارقة؛ فإذا كان الحظر القانوني هو المانع الوحيد أمام المشاركة، ولا توجد جهة ستعمل على إزالة هذا المانع، فإن الحديث عن عدم الإقصاء يصبح موقفًا نظريًا أكثر منه إجراءً عمليًا.
١٢. لكن القضية الأهم ليست في الحظر ذاته، وإنما في السؤال الذي يجب أن يسبق كل هذه النقاشات: ما هو الأساس القانوني الذي بُني عليه حظر المؤتمر الوطني؟فالحزب، حتى إزاحة نظامه في أبريل ٢٠١٩ بترتيبات عسكرية وليست دستورية، كان يحكم في ظل دستور ٢٠٠٥، وهو دستور مجاز شعبيًا، قامت بموجبه مؤسسات الدولة، ومنها البرلمان الذي شاركت فيه قوى سياسية متعددة وفق النظام الدستوري القائم آنذاك.
١٣. ولذلك فإن سقوطه لم يكن بآليات دستورية شرعية، كما أن سقوط أي نظام سياسي نتيجة احتجاجات شعبية أو تغيير في السلطة لا يجيب وحده عن السؤال القانوني المتعلق بحظر حزب سياسي.
فالتغيير السياسي شيء، وتجريم حزب أو حظره شيء آخر، ولكل منهما أسسه وإجراءاته القانونية.
١٤. وفي مختلف التجارب السياسية، قد تؤدي الاحتجاجات إلى إنهاء عهود سياسية، لكنها لا تعني تلقائيًا أن الحزب الذي كان يحكم يفقد حقه السياسي أو يصبح محظورًا دون أساس قانوني واضح.
١٥. فإذا كان هناك من يرى أن المؤتمر الوطني ارتكب أفعالًا تستوجب الحظر، فإن المطلوب هو تقديم السند القانوني لذلك، لا الاكتفاء بنتيجة التغيير السياسي.
١٦. ومن ناحية أخرى، فإن الحركة الإسلامية نفسها لم تعلن أنها تسعى للمشاركة في حكومة انتقالية حتى يصبح إشراكها أو إقصاؤها محور العملية السياسية.
١٧. وإذا كانت بعض القوى السياسية ترى أن المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية فقدا قواعدهما الشعبية، فإن الديمقراطية تقدم الوسيلة الطبيعية لحسم هذا الجدل، وهي الانتخابات.
١٨. فالناخب هو الذي يمنح الشرعية أو يسحبها، وليس التوافق بين القوى السياسية أو ترتيبات الحوار. لذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب، وتهيئة المناخ لانتخابات حرة ونزيهة، وليس الدخول في دائرة جديدة من المراحل الانتقالية غير محددة النهاية.
١٩. فالشرعية لا تمنحها القوى السياسية لبعضها البعض، ولا تُسحب بقرارات الإقصاء، وإنما يصنعها الشعب بإرادته الحرة.
