منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

حوار البرهان أم السودان ؟؟ د. عثمان جلال 

0

 

 

حوار البرهان أم السودان ؟؟

د. عثمان جلال

(1)

للدبلوماسي الفرنسي شارك تاليران مقولة شايعة وصف بها تكرار السلوك الاستبدادي للعائلة الملكية عند عودتهم إلى حكم فرنسا بعد سقوط نابليون عام 1815 وهي (آل البوربون لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا) والمثل يضرب لكل الأنظمة والنخب السياسية التي تكرر أخطاءها القديمة وتتجاهل نبض الجماهير وأشواقهم في التغيير والديمقراطية.

وأيضا أستدعي هنا مقولة المفكر المصري جمال حمدان دور مصر في نشر الإسلام (ليس لمصر قط فضل في نشر الإسلام جغرافيا سوى الدور السالب دور الممر وليس المكر.دور المطية وليس الفارس)

هكذا ظلت القوى السياسية السودانية حصان طروادة ومطية للطغاة والمستبدين فكلما فشلت في إدارة خلافات التنوع السياسي بينها وتحويلها إلى فرص لإثراء واستدامة التجارب الديمقراطية الثلاث طفقت تتكفف بندقية القوات المسلحة في حسم صراعاتها الفكرية والسياسية . حيث قام حزب الأمة بتسليم السلطة للفريق عبود في نوفمبر 1958م. وتحالفت الأحزاب اليسارية ونفذت إنقلاب مايو 1969م بقيادة العقيد جعفر نميري. ونفذت الحركة الاسلامية انقلاب يونيو 1989م بقيادة البشير

(2)

إن نتائج كل هذه التجارب كانت متماثلة. انفراد القيادة العسكرية بالسلطة وإقصاء العقل السياسي المدني المخطط للإنقلاب، تدجين الجماعة السياسية التي رعت الانقلاب. وتخريب الاقتصاد وإضعاف الإحزاب السياسية وتحول ولاءات قاعدتها الجماهيرية إلى حضيض الجهوية والقبلية . والثمرة المريرة استفحال صراع الهويات القاتلة الذي أدى لانفصال الجنوب مع استمرار حالة القابلية للتشظي والتفكك. وثالثة الأثافي تدجين وإضعاف المؤسسة العسكرية الأم لصالح الأجهزة الأمنية والمليشيات المسلحة لحراسة وصيانة سلطة حكم الفرد المطلق .

(3)

كذلك كانت من ثمرة هذه التجارب أن أي مبادرة للحوار حول قضايا البناء الوطني والديمقراطية المستدامة سواء كانت في الداخل أو الخارج يقودها قائد الجيش أو رئيس مجلس قيادة الثورة أو رئيس الجمهورية بعد تنظيم انتخابات زائفة كانت محصلتها النهائية تصب في صالح تعظيم وتكريس سلطته المطلقة بل ولا يبالي في تمزيق اتفاقيات السلام والعهد الدستوري، والاستثمار في تناقضات القوى السياسية للكنكشة في الحكم .

لكن ما هي العبر الإيجابية لهذه التجارب ؟ إن وحدة إرادة القوى السياسية مع المجتمع هي العنصر الفاعل في إسقاط سلطة الفرد المستبد عبود أكتوبر 1964 نميري أبريل 1985. البشير أبريل 2019م .

إن الخلاصة الإستراتيجية من هذه التجارب تتمثل في أن إرادة المجتمع السوداني التواقة للتغيير والنظام الديمقراطي أصبحت هي الغالبة وستتصدى لأي مغامرة إنقلابية تقودها الطبقة البرجوازية الصغيرة بشقيها العسكري والمدني

(4)

إن الحوار السوداني السوداني حول قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطية ضرورة وطنية ولكن ما هي مطلوباته؟ يجب أن يكون الحوار حرا وأشبه بصيغة المائدة المستديرة وأن تنهض لقيادته كل القوى السياسية والمجتمعية المساندة للجيش في معركة الكرامة. وانضمام تحالف صمود للمبادرة يجب أن يسبقه إعلان انحيازهم للجيش والشعب. وإن إجراء الحوار داخل السودان وحراسة مخرجاته عبر المجتمع والقوى السياسية عنصر قوة ، ويجب أن يكون الحوار شاملا لكل قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي المستدام ، وأن تقف كل القوى السياسية على مسافة متساوية من المبادرة كما يجب التأكيد على استمرار الوضع الانتقالي الحالي مع الإحلال والإبدال للكفاءات الوطنية المستقلة لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات وإعادة التوازن للإقتصاد وذلك حتى القضاء على المليشيا واستعادة كل ولايات كردفان ودارفور إلى حضن الوطن

(5)

إن كان ذلك كذلك فما هو دور المؤسسة العسكرية في مبادرة الحوار السوداني السوداني؟ يتمثل دورها بالمشاركة عبر ممثلين لمناقشة القضايا الأمنية والعسكرية

إن رمزية القوات المسلحة ستتعاظم في وجدان المجتمع السوداني كلما نأت عن السياسة وركزت على الاستثمار في تطوير بنيتها الفنية والتقنية والعسكرية وكلما أدت مهامها الدستورية في حراسة الثغور وصيانة النظام الديمقراطي.

إن معركة الكرامة لا تزال مستمرة ولا أستبعد إغراء محمد بن زايد بالمال رؤساء أثيوبيا وتشاد وجنوب السودان لإدخال جيوشهم وإسناد المليشيا للحيلولة دون زحف الجيش لتطهير كردفان ودارفور . لذلك على الفريق البرهان التركيز على قيادة الجيش حتى القضاء على المليشيا أو استسلامها بدلا عن الاستثمار السياسي في معركة الكرامة لتحقيق طموحاته الشخصية في رئاسة السودان.

(6)

إن الحوار السوداني السوداني يشكل فرصة استراتيجية للقوى السياسية الوطنية لتجاوز خلافاتها الإيديولوجيا وبناء الكتلة التاريخية الحرجة والتوافق حول قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي المستدام . وإلا فإن البديل هو نظام استبدادي جديد متلفح بفزاعات صيانة الأمن والوحدة الوطنية والتاريخ ماكر ويضمر الشر لمن لا يتعظ منه.

 

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.