منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
نَاقُوسُ الخَطَرِ: تَأَهَّبُوا قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ ================= ✍️*كتب/ حسن البصير* دفتر الكرامة... الجمعيات النوبية وزارة بلا ميزانية ووطن بلا حدود... بقلم: ناصر الفاتح من ركام الحرب إلى اقتصاد الإعمار.. كيف يحول السودان نفاياته إلى ثروة؟ ✍️د. الشاذلي عبداللطيف أمواج ناعمة الكهرباء: جات الحزينة تفرح.. د. ياسر محجوب الحسين البحر الأحمر.. ثروة السودان التي تنتظر عقل الاستثمار ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف ابن الشرق الشرطة والجمهور… حين تصبح الخدمة عهدًا والنجدة رسالة ✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد إحياء الحركة التعاونية في السودان (8) من الإنتاج إلى القيمة المضافة… كيف تجعل التعاونيات المنتج أكثر... أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٧١) د. ياسر محجوب الحسين همسة وطنية  دكتور طارق عشيري   الحوار الوطني السوداني يبداء بحب السودان  من مهد الاستقلال إلى بشائر النصر.. رسائل البرهان لبائعات الشاي في الخرطوم د. إسماعيل الحكيم

من ركام الحرب إلى اقتصاد الإعمار.. كيف يحول السودان نفاياته إلى ثروة؟ ✍️د. الشاذلي عبداللطيف

0

من ركام الحرب إلى اقتصاد الإعمار.. كيف يحول السودان نفاياته إلى ثروة؟
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

حين يطرح الصحفي التقني الحصيف جمال الدين خلف الله كركبة قضية النفايات باعتبارها هاجسا وطنيا، فهو لا يثير موضوعا خدميا عابرا، بل يضع يده على واحد من أخطر ملفات ما بعد الحرب وأكثرها قابلية للتحول من أزمة إلى فرصة. وجمال الدين، بما عرف عنه من يقظة مهنية وحس مجتمعي واهتمام بقضايا الناس، ينظر إلى ما وراء المشهد المباشر؛ فحيث يرى البعض أكواما من الركام والمخلفات، يرى هو سؤالا استراتيجيا يتعلق بالصحة والبيئة والاقتصاد وإعادة الإعمار ومستقبل المدن.
لقد خلفت حرب الكرامة واقعا معقدا في عدد من المدن السودانية: مبان مهدمة، حديد متناثر، أجهزة ومركبات تالفة، مخلفات طبية وإلكترونية، ونفايات منزلية وصناعية تراكمت تحت ضغط الظروف الاستثنائية. والخطأ الأكبر أن نتعامل مع هذا كله بمنطق الإزالة والنقل إلى المكبات فقط. فالعالم اليوم تجاوز مفهوم التخلص من النفايات إلى مفهوم الاقتصاد الدائري، حيث تتحول المخلفات إلى مواد خام، والطاقة المهدرة إلى مورد، والعبء المالي إلى نشاط استثماري منتج.
ومن هنا نقترح مشروعا وطنيا يبدأ بخطوة بسيطة وحاسمة: حصر وتصنيف المخلفات في مدينة واحدة يتم اختيارها كنموذج تجريبي. فالمطلوب أولا معرفة حجم الأنقاض، وكميات المعادن والبلاستيك والزجاج والمخلفات العضوية والطبية والإلكترونية، ثم بناء منظومة تقوم على الجمع المنظم والفرز والمعالجة وإعادة الاستخدام.
وفي مقدمة الأولويات تأتي مخلفات الهدم. فالخرسانة والطوب والركام يمكن، بعد الفحص والمعالجة والالتزام بالمواصفات، أن تدخل في الردميات والطرق والأرصفة والطبقات التحتية وبعض الاستخدامات غير الإنشائية. أما الحديد والنحاس والألمنيوم فيمكن استردادها وإعادة تدويرها، بينما تتحول المخلفات العضوية إلى سماد أو غاز حيوي حيث تسمح الجدوى الفنية والاقتصادية بذلك.
المشروع لا ينبغي أن يصبح عبئا جديدا على الخزانة العامة. دور الدولة هو التشريع والتنظيم والرقابة وتحديد المعايير، بينما يتولى القطاع الخاص المحلي والأجنبي التمويل والتشغيل من خلال عقود واضحة مرتبطة بمؤشرات أداء. ويمكن طرح مواقع المعالجة بنظام الشراكة، مع إلزام الشركات بنقل المعرفة وتدريب الشباب السوداني وخلق فرص عمل حقيقية داخل المجتمعات المحلية.
كما يجب تخصيص مسار مستقل للنفايات الطبية والخطرة، لأنها لا تحتمل الحلول التقليدية، إلى جانب وضع ضوابط قانونية لملكية الركام والتصرف فيه، وتراخيص شركات الجمع والتدوير، وآليات التعامل مع البطاريات والزيوت والإطارات والمخلفات الإلكترونية وفق مبدأ “من يلوث يدفع”.
والأفضل ألا نبدأ بإنشاء جهاز بيروقراطي ضخم، بل بوحدة وطنية صغيرة للاقتصاد الدائري وإدارة المخلفات، تضم ممثلين للبيئة والصحة والحكم المحلي والصناعة والاستثمار والجامعات والقطاع الخاص، وتكون مهمتها تنسيق السياسات واختيار المشروع التجريبي ومتابعة التنفيذ وقياس النتائج.
ولكي لا تتحول الفكرة إلى خطاب جميل، يجب أن تكون لها أرقام ومؤشرات: كم طنا من الأنقاض تمت معالجته؟ كم وظيفة تم خلقها؟ كم انخفضت تكلفة الردم والنقل؟ كم من المواد أعيد استخدامها؟ وما العائد الذي تحقق للمحليات والمستثمرين؟
ونقترح أن تبدأ المرحلة الأولى بفريق فني مصغر من مهندس بيئي، ومهندس مدني، وخبير استثمار وتمويل، وقانوني، ومتخصص في الإدارة المحلية، ليضع خلال فترة محددة دراسة أولية تشمل الموقع، والتقنيات، والتكلفة، ونموذج الإيرادات، والاحتياجات التشريعية.
إن فضل الصحفي جمال الدين خلف الله كركبة في إثارة هذا الملف أنه نقل السؤال من هامش النظافة إلى قلب التنمية. وهذه هي الصحافة حين تؤدي رسالتها الكبرى: لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تفتح أمام الدولة والمجتمع طريق الحل.
السودان اليوم لا يحتاج إلى إزالة آثار الحرب فقط، بل إلى تحويلها إلى مدخل لإعمار أكثر ذكاء واستدامة. وما نراه اليوم ركاما قد يصبح غدا طريقا، وما نراه نفايات قد يصبح طاقة وسمادا ومواد خام، وما نراه عبئا قد يتحول إلى صناعة كاملة.
المشكلة ليست في كثرة النفايات، وإنما في استمرار النظر إليها باعتبارها عبئا. أما حين نراها موردا، فسنكتشف أن جزءا من ثروة الإعمار قد يكون موجودا بالفعل بين أيدينا.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا: أن نجمع الخبرة والإرادة والتمويل في مشروع واحد، وأن نحول الهاجس الذي طرحه كركبة إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ، يليق بالسودان ويصنع من المحنة فرصة حقيقية للأجيال القادمة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.