منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

فشل مؤتمرات الخارج   الإسلاميون مسمار النص

0

فشل مؤتمرات الخارج

الإسلاميون مسمار النص

 

١. أفادت تقارير بفشل لقاء الآلية الخماسية الذي عُقد مطلع هذا الشهر في أديس أبابا، وسط ترتيبات تُشير إلى توجه لعقد مؤتمر تعويضي في سويسرا أواخر الشهر الجاري، بمشاركة نحو 25 شخصية سياسية سودانية، إلى جانب مراقبين دوليين، مع مؤشرات على أن فرص نجاحه لن تكون أفضل من سابقيه.

٢. انطلقت معظم المبادرات والمؤتمرات التي عقدتها المنظمات الدولية والإقليمية بشأن السودان من تصور مفاده أنه بالإمكان صناعة بديل سياسي عبر مجموعات مدنية محدودة التأثير، مع تجاهل أو تقليل أهمية قوى تمتلك حضوراً فعلياً داخل المجتمع والدولة.

٣. وقد تجاهلت تلك المبادرات واقعاً سياسياً وعسكرياً يتمثل في وجود حكومة قائمة تدير الشأنين السياسي والعسكري، إلى جانب مؤسسات قائمة على الأرض لا يمكن تجاوزها عند أي حديث عن تسوية سياسية قابلة للحياة.

٤. وظلت هذه المقاربات تبحث عن ترتيبات سياسية جديدة دون أن تجيب بصورة مقنعة عن سؤال جوهري: كيف يمكن بناء تسوية مستقرة مع تجاهل قوى أصبحت جزءاً من المعادلة الفعلية على الأرض؟ فوقف الحرب لا يتحقق عبر البيانات الختامية وحدها، وإنما عبر التفاهم مع الأطراف القادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

٥. إن الإصرار على إعادة إنتاج المشهد السياسي وفق هذه التصورات يصطدم بالتحولات التي فرضتها الحرب نفسها، إذ أدت الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قوات التمرد إلى تحولات عميقة في المزاج الشعبي، وتركت آثاراً كبيرة داخل المجتمع السوداني، وأثرت بصورة مباشرة على صورة القوى التي تعتمد عليها بعض المبادرات في هندسة المشهد السياسي.

٦. وقد بدأ كثير من السودانيين في إعادة النظر في مواقفهم السابقة، مع تكرار المقارنات بين الوعود التي صاحبت إسقاط نظام الإنقاذ وبين الواقع الذي أعقب ذلك. ورغم الجدل الذي صاحب تلك المرحلة، فإن قطاعاً من الرأي العام يرى أن كثيراً من الاتهامات التي طُرحت إعلامياً لم تثبت بالحجم الذي صُوِّرت به عند تداولها.

٧. والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجهات الراعية للمؤتمرات والمبادرات هو: لماذا أخفقت سنوات من الدعم السياسي والإعلامي والمالي في إخراج الإسلاميين من المشهد؟ ولماذا لم تنجح القوى التي حظيت بهذا الدعم في بناء قاعدة شعبية تضاهي حضورهم أو تحل محلهم في المعادلة السياسية؟

٨. في مقابل هذه الفرضيات التي حكمت مقاربات المؤتمرات، تكشف تجربة السنوات الماضية أن الإسلاميين لم يختفوا من المشهد كما كان متوقعاً، بل احتفظوا بحضورهم السياسي والاجتماعي رغم سنوات الاستهداف، وظلوا فاعلين في النقاش العام وفي كثير من مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية.

٩. وخلال سنوات الاستهداف، لم ينشغل الإسلاميون كثيراً بالدخول في معارك إعلامية يومية أو سجالات سياسية مفتوحة. فقد ركز خطابهم بصورة أساسية على قضايا الدولة والحرب ووحدة البلاد، بينما انخرط جزء من قواعدهم وقياداتهم في المجهود الحربي إلى جانب القوات المسلحة.

١٠. كما لم يظهر الإسلاميون حرصاً كبيراً على الرد على الرسائل السالبة التي صدرت من بعض القيادات السياسية أو الرسمية، إذ بدت أولويتهم مرتبطة بنتائج الحرب ومصير الدولة أكثر من ارتباطها بالخلافات السياسية العابرة.

١١. وفي ضوء ذلك، لا يمكن التعامل مع الإسلاميين بمنطق الإقصاء أو الافتراضات المسبقة التي حكمت المرحلة السابقة، كما لا يمكن قراءتهم خارج سياق التحولات العميقة التي فرضتها الحرب على بنية الدولة والمجتمع.

١٢. فالإسلاميون، سواء اتفق معهم البعض أو اختلفوا، ظلوا جزءاً من الواقع السياسي والاجتماعي الذي أعادت الحرب تشكيله.

١٣. ومن هنا فإن وصفهم بأنهم مكوّن مؤثر في المعادلة السودانية لا يعبر عن موقف أيديولوجي بقدر ما يعبر عن واقع تفرضه موازين القوة على الأرض، وتركيبة المجتمع، وتعقيدات اللحظة السياسية الراهنة.

١٤. ولذلك فإن أي محاولة لرسم مستقبل السودان تنطلق من فرضية إمكانية تجاوز الإسلاميين تصطدم بحقائق سياسية يصعب القفز فوقها، إذ أصبحوا جزءاً من الواقع الذي تشكل خلال الحرب، سواء رضي بذلك خصومهم أم لم يرضوا.

١٥. وفي المقابل، تبدو الحكومة مطالبة بإعادة النظر في طريقة تعاملها مع الإسلاميين بعيداً عن التصورات المسبقة التي تشكلت خلال مراحل الصراع السياسي الماضية. فالحركة الإسلامية، بحسب قياداتها، لا تسعى إلى العودة إلى السلطة عبر ترتيبات انتقالية أو توافقات مغلقة، وإنما عبر صناديق الاقتراع متى ما تهيأت الظروف، كما أعلنت عدم رغبتها في المشاركة في أي حكومة انتقالية قادمة.

١٦. وربما تكمن الخلاصة في أن السياسة لا تُحسم بالرغبات ولا بالدعم الخارجي وحده، وإنما بمدى الارتباط بالمجتمع والقدرة على الصمود أمام التحولات الكبرى. وقد كانت الحرب السودانية من أكبر هذه التحولات وأكثرها تأثيراً، ما يجعل أي تسوية قادمة أكثر قابلية للاستقرار حين تنطلق من الواقع الفعلي لا من تصورات تتجاهله أو تحاول تجاوزه.

 

تحياتي

الفاتح الشيخ

٦/يونيو/٢٠٢٦

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.