*وجه الحقيقة* **إبراهيم شقلاوي* *الدولة لا تُدار* *بالمرافعات*
وجه الحقيقة
إبراهيم شقلاوي
الدولة لا تُدار بالمرافعات

في مقاله المنشور الخميس بعنوان “بالواضح: نحن وزراء لا تخيفهم الأصوات النشاز”، دافع وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر عن أداء الحكومة، مستندًا إلى التراكمات التاريخية وتداعيات الحرب، وداعيًا إلى نقد يستند إلى الحقائق لا التشهير. غير أن أهمية المقال تتجاوز الرد على منتقديه إلى السؤال الأهم : كيف تُدار الدولة في مرحلة ما بعد الحرب؟ فالقضية ليست في التبرير، بل في بناء الثقة بين حكومة تُقاس بإنجازها، وإعلام يمارس رقابته المهنية، ودولة تستعيد ثقة مواطنيها بالشفافية.
لا خلاف أن الحكومة الحالية ورثت دولة مثقلة بإخفاقات تراكمت لعقود، ثم جاءت الحرب لتزيد العبء وتستنزف مؤسسات الدولة ومواردها. كما أن عامًا واحدًا لا يكفي للمعالجة، لكن هذه الحقيقة لا يمكن أن تتحول إلى خطاب دفاعي دائم، فالشعوب لا تقيس الحكومات بما ورثته، بل بقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص للتعافي، والخطط إلى نتائج واقعية يلمسها المواطن في معاشه وخدماته الأساسية.
فالاعتراف بصعوبة الواقع خطوة أولى، أما الخطوة التالية فهي تقديم مشروع واضح للتعافي، بأهداف قابلة للقياس، وجداول زمنية معلنة، وتقارير دورية تكشف للرأي العام ما تحقق وما تعثر ولماذا. فالحكومة التي تطلب من الناس الصبر مطالبة أيضًا بأن تمنحهم الحق في المعرفة.
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى الانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى سياسة إدارة التوقعات. فبدل الانشغال بالرد على الحملات، يصبح الأجدى أن تنشغل الوزارات ببناء الثقة عبر الشفافية، ونشر مؤشرات الأداء، وإتاحة المعلومات، لأن الإنجاز الحقيقي هو الرد الأكثر إقناعًا على أي انتقاد.
إن ما تواجهه بلادنا اليوم ليس مجرد عبور من الحرب إلى السلام، بل انتقال من دولة أثقلتها إدارة الأزمات إلى دولة تستعيد منطق المؤسسة.
فالدولة المنتبهة لا تُقاس بقدرتها على تفسير إخفاقاتها، وإنما بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والسياسات إلى نتائج. لذلك، فإن جوهر الصراع ليس بين حكومة ومعارضة أو وزير وصحفي، بل بين ثقافتين في الحكم: ثقافة تبحث عن مبررات، وأخرى تجعل الأداء معيارًا للحكم.
ومن هنا فإن الرد الأقوى على النقد ليس الدفاع عن الواقع أو جهوزية الحقائب للمغادرة، بل بالتغير والطمأنينة والتخطيط، فالإنجاز هو الحجة الأكثر قوة، والشفافية هي الطريق الأقصر لاستعادة الثقة. فالمطلوب اليوم ليس فقط تفسير ما حدث، بل إثبات القدرة على صناعة واقع جديد.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما أعلنه رئيس مجلس الوزراء عند تشكيل الحكومة بشأن إخضاع الوزراء لقياس الأداء والتقييم المستمر. حيث كان ذلك إعلانًا عن تحول في فلسفة إدارة الدولة وقد استبشر به الناس، يقوم على أن المنصب تكليف لا امتياز، وأن البقاء فيه مرهون بما يحققه من أثر. ولذلك فإن الحكومة لم تُمنح شيكًا على بياض، وإنما مُنحت فرصة مشروطة بالنتائج. وبعد عام من تشكيلها، فإن الوفاء بهذا الالتزام يقتضي الانتقال من إعلان المبدأ إلى إنفاذه، عبر مؤشرات أداء معلنة، وتقارير دورية، ومراجعات شفافة، تجعل المواطن شريكًا في تقييم الأداء، ويصبح التجديد أو الإعفاء قرارًا تحكمه الكفاءة والإنجاز لا ضجيج الانطباعات.
رأس المال السياسي لأي حكومة لا يُبنى بالخطاب، بل بقدرتها على إنتاج الثقة عبر الاعتراف بالتحديات، ووضوح الرؤية، وتحويل الوعود إلى سياسات ونتائج. فالشفافية ليست عبئًا على السلطة، وإنما معيار نضجها ومصدر شرعيتها. وفي المقابل تظل الصحافة شريكًا في حماية الوعي العام، خصوصًا في ظل غياب المجلس التشريعي، لكن دورها الرقابي يفقد قيمته حين يتحول إلى تجريح أو إدانة مسبقة. فالمساءلة الحقيقية لا تُضعف المؤسسات، بل تُصلحها، وهيبة الدولة لا تعني تحصين المسؤولين من النقد، وإنما حماية المؤسسات من أن تصبح رهينة للإسفاف أو الأشخاص.
في المقابل تتحمل الحكومة مسؤوليتها، فلا يمكن مطالبة الإعلام بالمهنية في ظل غياب المعلومات. فحماية مؤسسات الدولة لا تكون بخفض سقف النقد، بل برفع سقف الشفافية، لأن تدفق البيانات وكفاءة الأداء يحول النقد من الانطباعات إلى الحقائق، ويحد من مساحة الشائعات. وكما لا تملك السلطة مصادرة النقد، لا يملك الإعلام احتكار الحقيقة، فالرأي العام يُبنى بالدليل لا بالصوت الأعلى. لذلك يحتاج السودان إلى عقد مؤسسي جديد بين الدولة والإعلام، تقوم فيه الحكومة بالشفافية والمساءلة، ويمارس فيه الإعلام دوره الرقابي بالدقة والإنصاف والمسؤولية، بعيدًا عن التشهير.
إن الدول بحسب #وجه_الحقيقة، لا تنهار لأن صحفيًا انتقد وزيرًا، ولا تتعافى لأن مسؤولًا كتب مرافعة دفاعية، بل تنهار حين يصبح الجدل بديلًا عن الفعل، وتنهض حين يصبح الإنجاز أساس الحكم، والمساءلة ثقافة، والشفافية منهج العلاقة بين الحاكم والمواطن. فعندما يصبح الأداء معيار بقاء المسؤول، والمهنية معيار قوة الصحافة، واحترام المؤسسات معيار نضج الحياة السياسية، تكون بلادنا قد بدأت العبور من مرحلة المرافعات إلى دولة المؤسسات التي تستمد البقاء من نتائجها لا من خطاباتها.
دمتم بخير وعافية.
السبت 18 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#الدولة_لا_تدار_بالمرافعات
#دولة_المؤسسات
#الحوكمة
#الشفافية
#المساءلة
#قياس_الأداء
#الإعلام_المهني
#بناء_الثقة
#السودان
#إبراهيم_شقلاوي
