منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
حدود المنطق.. جنوب كردفان.. الوالي الجديد بين إرث الصمود وتحديات المرحلة.. إسماعيل جبريل تيس... غنائم "بارا".. وثيقة الإدانة ووقود الحسم الوطني د. إسماعيل الحكيم . المدير التنفيذي لمحلية شندي يتلقي التهاني والتبريكات من الطريقة الختميه بشندي بمناسبة انتصارات الق... افتتاح أسواق البيع المخفض بشندي لتخفيف أعباء المعيشة على المواطنين أبوبكر الأمين ممثل وزير المالية س... الفلس والمفلس احمدحسن ظلال...يكتب تفقّد أم سيالة وجبرة الشيخ واطمأن على مسار العمليات.. البرهان في الخطوط الأمامية..رسائل الحسم.. ... انطلاق ورشة “دور نقابات عمال السودان في إعادة الإعمار” بالخرطوم د. إسماعيل الحكيم حركة العدل والمساواة- الانتقال من الكفاح المسلح إلى كيان سياسي قومي { 5 }  خارطة الطريق للتحول المؤ... القوات المسلحة السودانية...العزة والشموخ والبطولة.  د. حيدر البدري..يكتب في نقطة سطر جامعة بخت الرضا كلية تنمية المجتمع د. أحمد عيسى محمود  (نشاط الكلية)

حدود المنطق.. جنوب كردفان.. الوالي الجديد بين إرث الصمود وتحديات المرحلة.. إسماعيل جبريل تيسو..

0

 

حدود المنطق..

 

جنوب كردفان.. الوالي الجديد بين إرث الصمود وتحديات المرحلة..

 

إسماعيل جبريل تيسو..

 

جاء قرار تعيين الفريق شرطة محمد عبد الرحيم كافي والياً لولاية جنوب كردفان في توقيت بالغ الحساسية، تقف فيه الولاية عند مفترق طرق بين سنوات الحرب القاسية، وتطلعات أهلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الأمن والاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار، ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه أن تداول المسؤولية، لا ينتقص من جهد السابق، ولا يحجب الأمل عن اللاحق، وإنما يرسخ مبدأ استمرارية الدولة وتراكم الخبرات.

 

غادر الأستاذ محمد إبراهيم عبد الكريم موقعه بعد واحدة من أصعب الفترات التي مرت على جنوب كردفان، فقد أدار عبد الكريم الولاية وهي ترزح تحت وطأة الحصار والقصف والتدوين والاستهداف المستمر، وفي ظروف شحيحة الموارد، معقدة التحديات، متشابكة الملفات، ومع ذلك، ظل الرجل ثابتاً في موقعه، صابراً على المسؤولية، ولم يغادر الميدان أو يبحث عن مخرج يجنبه مشقة التكليف، بل اجتهد بما توفر له من إمكانات، وسعى إلى المحافظة على تماسك مؤسسات الولاية، واستمرار تقديم الخدمات في حدود الممكن.

 

ويكفي الوالي السابق فخراً أن كلمات الثناء التي حظي بها من قيادة الدولة جاءت شاهدةً على أدائه، كما أن ما يتردد عن ترشيحه لتولي موقع رفيع يعكس تقديراً لمسيرته، وهو تقدير يبدو مستحقاً لرجل تحمل مسؤولية ثقيلة في ظرف استثنائي، حيث لم تكن المعركة عسكرية فحسب، بل كانت معركة إدارة وصمود وإبقاء جذوة الحياة مشتعلة في ولاية أنهكتها الصراعات والحروب والنزاعات.

 

وفي المقابل، يأتي الفريق شرطة محمد عبد الرحيم كافي إلى المنصب وسط حالة من التفاؤل الواسع، لا سيما وسط أبناء جنوب كردفان وإقليم جبال النوبة الذين احتفت مجموعاتهم على منصات التواصل الاجتماعي بهذا الاختيار، باعتبار أن الوالي الجديد أحد أبناء المنطقة، غير أن هذه الحقيقة، على أهميتها، تبقى سلاحاً ذا حدين، فالانتماء إلى الولاية قد يمنح صاحبه معرفة دقيقة بالجغرافيا والتركيبة الاجتماعية وتعقيدات الواقع المحلي، لكنه في الوقت نفسه يضاعف حجم التوقعات، ويضع المسؤول تحت مجهر أهله قبل غيرهم، الأمر الذي يشكل عليه ضغطاً ليثبت أن الولاء للمؤسسة والدولة يعلو على أي اعتبارات جهوية أو قبلية.

 

والواقع أن تجربة ولاية جنوب كردفان نفسها تقدم درساً بليغاً، إذ سبق أن تعاقب على حكمها أكثر من سبعة ولاة من أبناء الولاية، لكن أحداً منهم لم ينجح في تحقيق الطموحات الكبيرة والمرجوة للمواطنين، ليس بالضرورة لقصور في الإرادة، وإنما لأن الواقع كثيراً ما كان أقسى من الأحلام، فالمعوقات المالية، وضعف التمويل، والقيود الإدارية، وأزمات الصرف، بل وحتى منهج {قفل البَلِف} من المركز، جميعها كانت في كثير من الأحيان عراقيل، أدت إلى تتحوَّل الخطط إلى أمنيات في الخيال، والمشروعات إلى ملفات مؤجلة، وبعيدة المنال.

 

لهذا، فإن نجاح الوالي الجديد لن يقاس بكونه من أبناء المنطقة، وإنما بقدرته على تجاوز هذه الحلقة المفرغة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن انتظار الإمكانات إلى حسن توظيف المتاح منها، مع السعي الجاد لاستقطاب الدعم الاتحادي والإقليمي والدولي لإعادة إعمار ولاية دفعت ثمناً باهظاً للحرب.

 

ويحمل انتماء الفريق محمد عبد الرحيم كافي إلى المؤسسة الشرطية دلالة تستحق التوقف عندها، إذ إنها المرة الأولى التي يتولى فيها ضابط من الشرطة منصب والي جنوب كردفان، بعد تجارب سابقة لولاة جاءوا من صلب القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية أو من الخدمة المدنية، وميزة المدرسة الشرطية، أنها تضيف بعداً مختلفاً إلى إدارة الولاية، فالشرطة تقوم في جوهرها على فرض هيبة القانون، وحماية المجتمع، وإدارة التنوع، والاقتراب من هموم المواطنين، والتفاعل معهم ببناء جسور من الثقة ما بين الدولة والمجتمع، وهي كلها عناصر تحتاجها جنوب كردفان في هذه المرحلة الدقيقة من عمرها، حيث لا يكفي تحقيق الأمن العسكري وحده، بل إن الأمن المجتمعي، وسيادة حكم القانون، والمصالحات، وحماية المدنيين، وإعادة الحياة الطبيعية، جميعها تصبح أهدافاً لا تقل أهمية عن الأمن العسكري.

 

لكن نجاح أي والٍ لا تصنعه سيرته الذاتية وحدها، وإنما يصنعه فريق العمل الذي يعمل معه، وبالتالي فإن أول امتحان حقيقي يواجه الوالي الجديد يبدأ من اختيار بطانته ومعاونيه، فولاية جنوب كردفان تحتاج إلى رجال ونساء تتوافر فيهم الكفاءة والنزاهة وروح المبادرة، بعيداً عن المحاصصات والترضيات والمجاملات، والبطانة القوية تعني قرارات قوية، ورؤية واضحة، وقدرة على مواجهة الأزمات بحكمة وروية وثبات.

 

كما أن المرحلة تفرض على حكومة الولاية الجديدة ترتيب الأولويات بواقعية؛ فالمواطن لا ينتظر الوعود الكبيرة بقدر ما ينتظر أثراً يلمسه في حياته اليومية، فهو يريد طُرقاً تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، ومستشفياتٍ تقدم العلاج، ومدارس تستقبل أبناءه، ومياهاً نقية، وكهرباء، ودعماً للزراعة والرعي، وتهيئة البيئة لعودة النازحين واللاجئين، وتأمين الموسم الزراعي، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل للشباب، وإطلاق برامج حقيقية للتعافي وإعادة الإعمار، بالتوازي مع تعزيز السلم الاجتماعي ورتق النسيج المجتمعي الذي مزقته سنوات الصراع.

 

لقد ظل المواطن في جنوب كردفان، منذ انطلاق تجربة الحكم الفيدرالي، يدفع فاتورة باهظة من المعاناة، متنقلاً بين رباعية {الحرب والفقر والجوع والمرض}، وهي رباعية استنزفت الإنسان قبل أن تستنزف الموارد، ولذلك فإن أي نجاح يتحقق اليوم، مهما بدا صغيراً، ستكون له قيمة مضاعفة في وجدان الناس، ويبقى التفاؤل مشروعاً، لأن الأوطان لا تبنى بالتشاؤم، ولأن جنوب كردفان تستحق فرصة جديدة، تستند إلى الدروس السابقة، ولا تكرر أخطاءها، فالمطلوب من الفريق شرطة محمد عبد الرحيم كافي أن يقرأ جيداً “كتاب جنوب كردفان”، لا بصفحاته المكتوبة فحسب، بل بما تختزنه ذاكرة أهلها من تجارب وآمال وآلام، وأن يجعل المواطن محور القرار، ويحيط نفسه بأصحاب الكفاءة، ويطرق أبواب المركز بثقة من أجل حقوق ولايته، فإن فعل ذلك فإننا موعودون بولاية مختلفة، قادرة على صناعة واقع مختلف للمواطن المغلوب على أمره.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن يبدأ به الوالي الجديد عهده هو أن يمنح المواطن سبباً واحداً ليستعيد ثقته في المستقبل، فجنوب كردفان ليست أرضاً للحروب فقط، وإنما بقعة مباركة غنية بالإنسان والموارد والتنوع، وإذا اجتمعت الإرادة السياسية مع الإدارة الرشيدة والدعم الصادق، فإن ما بدا مستحيلاً بالأمس يمكن أن يصبح واقعاً اليوم، وبالتالي تتحول ولاية جنوب كردفان، من عنوان للمعاناة إلى نموذج للتعافي، ومن ساحة للحروب والصراع، إلى مساحة للسلام والأمل والإنتاج والإبداع.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.