منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

انهزامنا النفسي… حين نسقط في داخلنا قبل أن نهزم في الميدان ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

انهزامنا النفسي… حين نسقط في داخلنا قبل أن نهزم في الميدان
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

لم تهزمنا الحرب يوم فقدنا البيوت وحدها، ولا يوم تفرقت الأسر بين النزوح واللجوء، ولا حين تعطلت المدارس والمستشفيات وضاقت سبل العيش. إنما تبدأ الهزيمة الحقيقية عندما يتسلل إلى داخلنا ذلك الصوت الخافت الذي يقول: لا فائدة، السودان انتهى، وهذه البلاد لن تقوم لها قائمة.
هذا الصوت أخطر من صوت المدافع، لأنه لا يهدم الجدران، بل يهدم الإرادة، ولا يحتل المدن، بل يحتل العقول. وحين يقتنع الإنسان بأنه عاجز، فقد يترك الطريق مفتوحا للفشل حتى قبل أن يجرب المقاومة.
يسمي علماء النفس هذه الحالة «العجز المتعلم»، وهي أن يتعرض الإنسان للضربات المتكررة حتى يظن أن كل محاولة لا جدوى منها. عندها لا يتوقف لأنه لا يستطيع، بل لأنه فقد الثقة في قدرته على التغيير. وهذا ما نراه حين يردد بعضنا: البلد دي ما بتتصلح، نحن ذاتنا مشكلتنا فينا، كل شيء ضاع، ومافي فايدة.
لكن هذه العبارات، على شيوعها، ليست حقائق نهائية، بل آثار جراح طويلة وخيبات متراكمة. وقد يرددها الإنسان المرهق وهو لا يقصد الاستسلام، لذلك ليس من العدل أن نصف كل حزين بالانهزام، ولا كل خائف بالجبن. فالناس دفعت أثمانا باهظة، ومنهم من فقد أهله وبيته وعمله وذكرياته. غير أن الخطر يبدأ حين يتحول الحزن من حالة إنسانية طبيعية إلى عقيدة دائمة، ويصبح اليأس هو التفسير الوحيد لكل شيء.
والانهزام النفسي لا يصنعه المواطن وحده، بل قد تصنعه خطابات سياسية وإعلامية لا ترى في السودان إلا الفشل، ونخب لا تجيد سوى جلد الشعب، وصفحات تجعل السخرية من الوطن دليلا على الذكاء والوعي. وحين نضخم قوة خصومنا، ونصغر من قيمة أنفسنا، ونقتل كل مبادرة قبل أن تبدأ، فنحن نقدم لهم نصرا لم يحققوه بأيديهم.
وقد أدرك المفكر فرانتز فانون أن أخطر صور القهر أن ينظر المقهور إلى نفسه بعيون من يقهره، فيحتقر ثقافته، ويشك في قدراته، ويبالغ في تقدير الآخر. وهذه الصورة تتكرر عندما نتحدث عن بلادنا كأنها بلا قيمة، ونردد أن الحل لا يأتي إلا من الخارج. فالأمم لا تنهض حين تنتظر من ينقذها، وإنما حين تستعيد احترامها لذاتها، وتواجه أخطاءها بشجاعة، وتحول آلامها إلى خبرة، ودموعها إلى عزيمة، وتضحياتها إلى مشروع لبناء دولة عادلة تحفظ كرامة الجميع.
ومع ذلك، فإن السودان لم يفقد روحه. فالشعب الذي فتح بيوته للنازحين، وتقاسم اللقمة والماء والدواء، وحمل المرضى، وأقام المطابخ الجماعية، وأعاد تشغيل المرافق بما تيسر، ليس شعبا ميت الإرادة. إنه شعب جريح، نعم، لكنه ما زال يحتفظ بمعدنه الأصيل.
لقد عرف السودانيون عبر تاريخهم الصبر والنجدة والكرم والشجاعة، وعرفوا كيف يقفون مع بعضهم في الشدائد. وما نحتاجه اليوم ليس تفاؤلا ساذجا ينكر الخراب، بل وعيا شجاعا يرى الجرح ويؤمن بإمكان علاجه، ويعترف بالخسارة دون أن يحولها إلى قدر أبدي.
الواقعية تقول: أخطأنا ويجب أن نصحح. أما الانهزامية فتقول: نحن الخطأ نفسه ولا سبيل إلى إصلاحنا. النقد يبحث عن الخلل ليعالجه، أما جلد الذات فيهدم الثقة ويقتل القدرة على الفعل.
السودان ليس هذه الحرب وحدها، ولا هذه السنوات السوداء وحدها. السودان تاريخ أطول من أزماته، وشعب أكبر من جراحه، ووطن سقط مرات لكنه لم يمت. نعم، نحن متعبون ومجروحون ومختلفون، لكننا لسنا أمة منتهية.
فلنحذر أن نخسر في داخلنا ما لم يستطع السلاح أن ينتزعه منا: ثقتنا بأنفسنا، ومحبتنا لبلادنا، وإيماننا بأن الخراب مهما اتسع يمكن أن يعمر.

إن أول طريق النصر أن نتحرر من العبارة القاتلة: «مافي فايدة»، وأن نستبدل بها عهدا وطنيا جديدا: سنخطئ ونتعلم، نسقط وننهض، نتفرق ثم نجتمع، وسيبقى السودان ما بقي في أبنائه قلب ينبض وإرادة لا تستسلم.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.