الكهرباء في السودان… من حلم التنمية إلى عتمة الإهمال بقلم : حسبو علي بخيت
الكهرباء في السودان… من حلم التنمية إلى عتمة الإهمال
بقلم ✍: حسبو علي بخيت

ليست أزمة الكهرباء في السودان مجرد انقطاعٍ للتيار، وإنما هي انقطاعٌ في الرؤية، وتعثرٌ في الإدارة، وانهيارٌ في صيانة ما شُيِّد بعرق السنين وكلفة المليارات. فالكهرباء ليست رفاهيةً تُطلب، وإنما شريانٌ للحياة، وعصبٌ للاقتصاد، ومقياسٌ لقدرة الدولة على صيانة منجزاتها.
لقد عرف السودان مراحل توسعٍ كبيرة في إنتاج الطاقة الكهربائية عبر إنشاء السدود والمحطات المائية والحرارية، حتى ارتفعت القدرة الإنتاجية مقارنةً بما كانت عليه في العقود السابقة. فقد ورثت حكومة الإنقاذ قطاع الكهرباء من حكومة الديمقراطية الثالثة وهو يعاني تراجعًا كبيرًا، وكانت القدرة الإنتاجية الإجمالية تُقدَّر بنحو (660) ميغاواط، ثم شهد القطاع توسعًا كبيرًا خلال سنوات حكم الإنقاذ حتى بلغت الطاقة الإنتاجية نحو (5000) ميغاواط، بعد دخول كهرباء سد مروي مضاف إليها محطة أم دباكر والمحطات الحرارية الأخرى، وقد ورثت حكومة عبد الله حمدوك هذا القطاع في قمة عافيته عقب سقوط نظام الإنقاذ. وكان الأمل أن تمضي البلاد نحو الاكتفاء، وأن يدار بمهنية عالية، وأن تصبح الكهرباء ركيزةً للتنمية الزراعية والصناعية والاستثمارية.
غير أن الواقع سار في اتجاهٍ آخر، حتى أصبح المواطن يطارد ساعات الإمداد كما يطارد الظمآن قطرة الماء، وأضحت المصانع تتوقف، والمستشفيات تستنفر مولداتها وتعتمد على الطاقة الشمسية، والمزارعون يخشون على مواسمهم، وتحولت الكهرباء من خدمة عامة إلى معاناة يومية لا تكاد تنتهي.
وإذا كانت الحرب قد ضاعفت حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، فإن ذلك لا يعفي إدارة الدولة من مسؤولية التخطيط والصيانة والإدارة الرشيدة. فالمشروعات الكبرى لا تُقاس بلحظة افتتاحها، وإنما بقدرتها على الاستمرار، وبكفاءة من يتولى إدارتها وحمايتها من التدهور.
إن أكثر ما يؤلم المواطن ليس الظلام وحده، وإنما الإحساس بأن بلداً يملك من الموارد المائية والإمكانات البشرية ما يؤهله لأن يكون منارةً في الإقليم، قد أصبح عاجزًا عن توفير أبسط مقومات الحياة. فلا التنمية تستقيم بلا كهرباء، ولا الاستثمار يأتي إلى بلادٍ ينطفئ فيها التيار كل حين، ولا تنهض الصناعة والزراعة في ظل بنية تحتية تتآكل يومًا بعد يوم، وتحفها المخاطر من كل الجوانب.
فحين تُقصى الكفاءة… تنطفئ الأنوار
لا شك أن هناك مرافق في الدول لا تحتمل العبث، ولا تقبل التجريب، ولا تستقيم بإدارة الشعارات، لأنها شرايين الحياة التي إذا اعتلت اعتلت معها الدولة، وإذا خبت أنوارها خبت معها حركة الاقتصاد، وتعطلت دورة الحياة، وتوقفت المصانع، وغرقت المدن في الظلام.
لم يكن قطاع الكهرباء في السودان مجرد مؤسسة خدمية، بل كان مدرسة وطنية صنعتها عقول راجحة، وأيدٍ خبيرة، ورجال دولة عرفوا قيمة الأمانة قبل قيمة المنصب، وأدركوا أن الكهرباء ليست أسلاكًا ومحولات، وإنما نبض وطن، وعصب تنمية، وأمن قومي لا يجوز أن يكون ميدانًا لتصفية الخصومات السياسية أو ساحةً لتبادل الثأرات، وطرد أرباب الكفاءة والخبرة والمهنية.
غير أن رياح السياسة، حين هبت بما لا تشتهي المصلحة الوطنية، عصفت بكثير من تلك الكفاءات، فأُقصي أصحاب الخبرة، وسُرِّح أهل الاختصاص، وشُطب تاريخ رجال أفنوا أعمارهم في بناء هذا القطاع، حتى بدا الأمر وكأنهم لاعبو كرة قدم يُستغنى عنهم بعد موسم خاسر، لا خبراء حملوا أعلى المؤهلات، والدرجات العلمية، وتدرجوا في ميادين العمل، وتراكمت في صدورهم خبرات لا تُشترى بالمال ولا تُعوَّض في يوم أو عام.
ومنذ ذلك المنعطف، في نظر كثيرين، بدأت أولى حلقات التراجع، ثم توالت الأعوام العجاف، وجاءت الحرب لتلقي فوق الجراح جراحًا، فتعرضت البنية التحتية لقطاع الكهرباء لدمار بالغ، حتى أصبح المواطن السوداني يطارد النور كما يطارد الظمآن قطرة الماء، وتحول انقطاع التيار من حادث عابر إلى واقع يومي أثقل كاهل الناس، وأرهق معاشهم، وألقى بظلاله على كل بيت وكل مرفق.
إن الدول لا تنهض بإقصاء أصحاب الكفاءة، وإنما تنهض حين تجعل معيارها الوحيد هو العلم والخبرة والإخلاص. أما حين تتحول المؤسسات إلى ساحات للمكايدات السياسية، فإن الخاسر الحقيقي ليس حكومةً ولا حزبًا، وإنما وطن بأكمله يدفع فاتورة الصراع من أمنه واستقراره وتنميته.
وليس المطلوب اليوم تبادل الاتهامات، ولا فتح دفاتر الماضي لإحياء الخصومات، وإنما وقفة وطنية صادقة تعيد الاعتبار للكفاءة، وتقدم أهل الاختصاص، وتستدعي كل يدٍ تستطيع أن تسهم في إنقاذ هذا القطاع الحيوي، بعيدًا عن التصنيفات السياسية والانتماءات الضيقة.
ومن هنا، فإن النداء يتجه إلى رئيس مجلس السيادة، وإلى رئيس مجلس الوزراء، وإلى وزير الطاقة، بأن يجعلوا إنقاذ قطاع الكهرباء أولوية وطنية عاجلة، وأن يفتحوا الأبواب أمام جميع الخبرات السودانية المؤهلة، دون نظر إلى التوجهات الفكرية، ودون النظر إلى ماضٍ سياسي أو موقفٍ حزبي، فالأوطان لا تُدار بالولاءات، وإنما تُبنى بالكفاءات والكوادر البشرية المؤهلة.
ولعل أشد ما يؤلم أن دؤوما في الليالي الحالكة يفتقد البدر، وأن الذاكرة تستدعي رجالًا ارتبطت أسماؤهم، عند كثير من السودانيين، بمراحل شهد فيها قطاع الكهرباء توسعًا وتطورًا، فيُذكر المهندس مكاوي، والشهيد محمود شريف، ومعتز موسى، وأسامة عبد الله، وجعفر علي البشير، وعلي عبد الرحمن، وغيرهم من الذين بذلوا جهدًا كبيرًا في تطوير البنية التحتية لقطاع الكهرباء في الدولة السودانية، وتركوا بصمات لا تزال حاضرة في وجدان الشعب السوداني وذاكرة هذا المرفق الوطني.
إن قطاع الكهرباء ليس ملفًا فنيًا فحسب، بل هو مرآةٌ للإدارة العامة. فإذا صلحت الإدارة صلح القطاع، وإذا فسدت الإدارة عمَّ الظلام، لا في البيوت وحدها، بل في الاقتصاد والتعليم والصحة وسائر مرافق الدولة.
وسيظل السؤال قائمًا: كيف لبلدٍ يملك النيل والسدود والإمكانات البشرية والطبيعية أن يرزح تحت هذا الظلام؟ إن الإجابة لا تبحث عنها الأسلاك ولا المحولات، وإنما تبحث عنها إرادة الإصلاح، وصدق الإدارة، واستحضار المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
وصدق الزمان حين علّم الناس أن قيمة الرجال لا تُعرف ساعة حضورهم، وإنما عند غيابهم، وأن النور لا يُدرك قدره إلا إذا أطبق الظلام، وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر، كما تُفتقد العقول إذا غابت، والخبرات إذا أُقصيت، والكفاءات إذا استُبدلت بغيرها
