منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

أمواج ناعمة السودانيون والإجراءات السورية وحاجات تانية د. ياسر محجوب الحسين

0

أمواج ناعمة

السودانيون والإجراءات السورية وحاجات تانية

د. ياسر محجوب الحسين

منذ أيام قلائل، أصدرت السلطات السورية قيدا جديدا يضاف إلى سجل حافل بالقيود، فاشترطت على المواطن السوداني أن يستصحب معه، قبل أن تطأ قدمه أرض سوريا، موافقة أمنية مسبقة. وهكذا أضيفت طبقة أخرى إلى جدار من الإجراءات كان السودانيون أصلا يتابعونه بقلق في مصر وإثيوبيا، وكأن الأقدار لا تريد أن تدع لهم بابا مفتوحا إلا وتُلقي عليه سترا من التعقيد والحذر.
ولستُ أخفي أن في النفس، وأنا أتابع هذه الأنباء، حزنا يشبه حزن من يرى وفاءه يُقابل بغير جنسه، وإحباطا يعتصر القلب كلما تذكر المرء أن السودان، في تاريخه الطويل، لم يكن يوما بخيلا على جار ولا قاسيا على غريب. وهنا يتوقف المرء ليسأل، لا شكوى ولا تسخطا، بل تأملا في هذا التفاوت العجيب بين ما يُعطى وما يُؤخذ: أليس من العدل أن تُقابل الروح المضيافة بمثلها؟ أم أن الكرم، في زمننا هذا، أصبح فضيلة يُستغرب بقاؤها ولا يُستنكر غيابها؟
لقد عُرف السودان، جيلا بعد جيل، بلدا تغلب فيه قيم الجوار والأخوة على حسابات المصلحة الضيقة. ففي علاقته مع مصر، ظل يفتح صدره للمصريين، ويمنحهم من التسهيلات ما لم يكن يمنحه لغيرهم، ويستمر في إعفاءات واسعة. وهذا رغم أن اتفاقية «الحريات الأربع» الموقعة في أبريل 2004، تلك التي نصت على حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك، لم تُطبق يوما بين البلدين على قدم المساواة في كل الظروف.
وأستحضر هنا واقعة عشتها بنفسي، وما زالت تسكن الذاكرة كلما ذُكر هذا الحديث. ففي عام 2009 تقريبا، كنت عائدا من إحدى الدول عبر مصر جوا، وصادف أن جلس أمامي في الطائرة راكب مصري، دار بينه وبين جاره السوداني في المقعد حديث عابر كما يدور بين الغرباء في الأسفار، فقال بصوت مسموع – ربما عشما في كرم سوداني يعلمه يقينا – أنه قادم إلى السودان طلبا للعمل والرزق، وأنه لا يعرف فيها أحدا، ولا يملك فيها عنوانا يقصده، وإنما ضاقت به سبل العيش في بلده حتى دفعته الحاجة إلى ركوب الطائرة والرهان على سودان الجود والكرم. وكان وصولنا إلى مطار الخرطوم بعد منتصف الليل، في تلك الساعة التي تخلو فيها الدروب من الطارقين وتضيق فيها القلوب على الغرباء. ومع ذلك، لم يمض وقت طويل حتى وجد هذا الرجل من أحد أبناء السودان قلبا مفتوحا قبل أن يفتح بابه؛ إذ عرض عليه أن يصحبه إلى بيته، وأن يستضيفه عنده حتى يتدبر أمره ويستقر له مقام. ولست أذكر هذا المشهد لأزايد به على أحد، وإنما لأنه تمثيل صادق لخُلق ما زال يجري في عروق هذا الشعب، خُلق لا يسأل القادم عن جنسيته قبل أن يسأله: أين تريد أن تنام الليلة؟
وأما مع سوريا، فقد فتح السودان أبوابه على مصراعيها لآلاف السوريين الذين طردتهم الحرب من ديارهم، فحملوا أطفالهم وذكرياتهم ولجأوا إلى أرض لم يعرفوها من قبل، فوجدوا فيها ما لم يكونوا يتوقعون. بل إن السودان، في محطات متعددة، بادر من تلقاء نفسه إلى تسوية أوضاعهم والتخفيف عن كاهلهم، وكان آخر تلك المبادرات القرار الوزاري الصادر أواخر نوفمبر وديسمبر 2025، القاضي بإعفاء الجالية السورية، ممن دخلوا أو أقاموا قبل 15 أبريل 2023، من مخالفات وغرامات الإقامة لمدة محددة. ولم يكن ذلك القرار محض إجراء إداري بارد، بل كان تعبيرا عن قناعة راسخة في الوجدان السوداني، مفادها أن الإنسان يُكرم لظروفه وحاجته، لا لجنسيته أو جواز سفره.
وقد شهدتُ بنفسي، حين اشتدت أزمة اللجوء السوري، كيف كانت الأعداد تتدفق إلى الخرطوم حتى غصت بها الساحات العامة، وكيف افترش كثير منهم الأرصفة والحدائق، لا سيما في الأحياء التي يُظن أنها أبعد الناس عن مثل هذا المشهد، كحي المنشية وأمثاله من الأحياء الراقية. ولكن العجب لم يكن في وجودهم هناك، بل فيما فعله سكان تلك الأحياء أنفسهم؛ فقد رأيت بعيني كيف كان الناس يخرجون إليهم بالطعام في أوقات الإفطار والعشاء، وكيف فتحت بيوت كثيرة أبوابها لتؤوي من عجزت عنه الشوارع، وكيف انتظمت في المساجد حركة دؤوبة لجمع التبرعات لهؤلاء الغرباء، وكأن المسجد استعاد في تلك الأيام وظيفته الأولى، بيتا للعبادة وبيتا للمواساة في آن واحد. فأين، بعد كل هذا، يكون موضع ذلك الشرط الجديد الذي يستقبل به المسافر السوداني اليوم؟
وفي علاقته مع إثيوبيا، ورغم ما مر بين البلدين من تعقيدات حدودية وخلافات سياسية، ظل السودان ينظر إلى الجوار باعتباره مسؤولية أخلاقية تسمو على حسابات الدول وموازينها. فاستضاف عبر السنين أعدادا كبيرة من اللاجئين الإثيوبيين، تُقدر بعشرات الآلاف في مراحل مختلفة، وبخاصة في أعقاب نزاع تيغراي، وقدّم لهم ما استطاع من رعاية ودعم، على الرغم مما كان يعانيه هو نفسه من أزمات اقتصادية وأمنية خانقة. وما زال، إلى يومنا هذا، يستضيف الآلاف منهم، غير منتظر شكرا ولا عرفانا.
إن الأسى الذي يعتري السودانيين اليوم، وهم يرون هذه القيود تتوالى عليهم من كل جهة، أسى مفهوم ومبرر، ولا يُلام صاحبه عليه. غير أن هذا الشعور، مهما اشتد، يجب ألا يتحول إلى دعوة للتنازل عن جوهر الشخصية السودانية التي صاغتها الأجيال. فالأخلاق ليست سلعة تُقايض، ولا معاملة تُرد بمثلها أو تُمنع لغيابها؛ إن الكرم لا يفقد بهاءه لأن غيرنا اختار طريقا مختلفا، والتسامح ليس صفقة قائمة على المعاملة بالمثل، بل هو تعبير عن معدن الشعوب وأصالتها التي لا تتبدل بتبدل الأحوال.
لقد ظل السوداني، في قراه ومدنه وحدوده، يفتح بابه قبل أن يسأل القادم عن هويته، ويمد يده بالعون قبل أن يحسب له حسابا أو يطلب عليه مقابلا. وما هذه الخصال بضعف ولا سذاجة، بل هي قوة أخلاقية وأصالة حفظت للسودان صورته عبر السنين، حتى في أحلك الظروف وأشدها قسوة. فبين الأصالة التي تكرم الإنسان بغير حساب، والسذاجة التي تُفرط في الكرامة، برزخ واضح المعالم لا يلتبس على من تأمل.
قد تتغير السياسات، وتتبدل الحكومات، وتفرض كل دولة ما تراه موافقا لمصلحتها، ولكن الذي لا ينبغي أن يتغير هو إيمان السوداني بنفسه، وبالقيم التي توارثها جيلا بعد جيل. فمن حقه أن يطالب بالمعاملة العادلة، وأن يُعبر عن استيائه من كل إجراء مجحف، ولكن ليس من الحكمة أن يجعل من إساءة الآخرين ذريعة للتخلي عن أفضل ما فيه. فالأمم إنما تُعرف بما تمنحه للعالم من قيم، لا بما تناله منه، والسودان سيبقى أكبر بأخلاق أبنائه، وأغنى بإنسانيتهم، مهما قصر الآخرون في رد الجميل أو الوفاء بحق الجوار والأخوة.

وقفة: نذكّر بأن قائد مليشيا الدعم السريع منح في زمن الغفلة ملايين الأرقام الوطنية والجوازات لأجانب من دول الجوار، وكثير منهم يجبون عواصم العالم بعد أن نهبوا ممتلكات المواطنين.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.