زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة حين تصبح الإساءة إلى الدين تحررًا
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
حين تصبح الإساءة إلى الدين تحررًا
ما كتبته د. ميادة فاروق رحمه الله ، لم يمر أمامي كمنشور عادي يمكن تجاوزه بالصمت ، لقد أثار في نفسي دافعية الرد ، لا لأنني أرى أن كل مخالف للإسلام ينبغي أن يُسكت عليه ، ولا لأنني أرفض حق الإنسان في اختيار قناعاته ، وإنما لأن في الأمر بالنسبة لي غيرة على الدين ، وغيرة على نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم ، ورفض لأن تتحول الإساءة إلى المقدسات إلى عنوان للتحرر والتقدم ، كتبت د. ميادة وهنا انقل ما كتبت دون تدخل «منذ أن خلعت هذه الخرقه الباليه ، لم اعد اشعر بالعار لانني انثى طبيعيه ، تبدو كأنثى طبيعيه.لم اعد اشعر باني عوره ناقصه عقل ، ودين وفتنه ، وجسد مثير للشهوات ، بمجرد التواجد في مكان ماانا لم اخلع الحجاب فقط بل خلعت إرثا كاملا من التخلف ، والبداوه والبربريه ، والهمجيه ، ورثته من اهلي ، الذين أخبروني بأنني محظوظه ، لاني ولدت مسلمه أما الحقيقه هي ، أنني فقط ولدت في البقعه الخطأ وفي المكان الخطأ ، وفي التوقيت الخطأ ، والسبيل الوحيد لإصلاح هذا الخطأ الذي ليس لي فيه يد ، هو الهجره من هذه البقعة التعيسه ، والتحرر من كل موروثاته القبيحه ، انا الان انسانه طبيعيه من غير دينكم ولا نبيكم الامي ولا إلهكم الدموي ، د.مياده فاروق رحمه الله طبيبه اسنان..فنانه تشكيليه..باحثه في مقارنه الاديان ، إنتهى بيانها ، وهنا تحديدًا كان لا بد من الرد ، الرد الذي ياتي من بنات جنسها ومن بنات جيلها فرردت عليها بالتالي ، خلعكِ للحجاب قرار شخصي يخصكِ ، ولا أحد يملك أن يجبركِ على الالتزام بما لا تريدين ، لكن قراركِ الشخصي لا يحوّل الحكم الشرعي إلى خرقة بالية ، ولا يحوّل الإسلام إلى تخلف وبربرية ، ولا يمنحكِ حق إهانة نبي أمة كاملة ثم تقديم ذلك باعتباره تحررًا أو بحثًا في مقارنة الأديان ، الحجاب في الإسلام ليس اختراعًا اجتماعيًا ولا موروثًا بدويًا ، اخترعه الآباء لأجل إذلال بناتهم ، وإنما هو حكم شرعي دلّت عليه نصوص القرآن والسنة ، قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ، من حقكِ أن تختاري عدم الالتزام به ، لكن ليس من حقكِ أن تعيدي تعريفه وفق واقعك وتجربتكِ الشخصية ، ثم تقدمي تجربتكِ باعتبارها الحقيقة الوحيدة عن الحجاب والمرأة المسلمة.
أما وصف الإسلام بأنه تخلف وبربرية وهمجية ، فليس نقدًا للحجاب ، بل حكم شامل على عقيدة تعتنقها امة كاملة من البشر ، والأشد وقعًا من ذلك قولكِ من غير دينكم ، ولا نبيكم الأمي ، ولا إلهكم الدموي ، هنا تحديدًا تجاوز الكلام حدود الاختلاف في الرأي إلى الإساءة المباشرة إلى عقيدة المسلمين ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن حقي كما هو من حقكِ أن تعبري عن موقفكِ ، أن أرفض هذه الإساءة وأقول بوضوح نحن لا نقبل أن يُهان نبينا صلى الله عليه وسلم ثم يُطلب منا أن نصفق لأن ذلك يسمى حرية ، لستُ بحاجة إلى الإساءة إليكِ حتى أدافع عن ديني ، كما أنني لا أحتاج إلى التشكيك في مهنتكِ أو مؤهلاتكِ حتى أرد على فكرتكِ.
لكنني أتساءل منذ متى أصبح التخلي عن الدين دليلًا على أن الإنسان أصبح طبيعيًا؟ ، هل المحجبة غير طبيعية؟ ، هل المتدينة ناقصة الإنسانية؟ ، هل المرأة التي اختارت أن تطيع ربها تعيش بالضرورة في حالة قهر؟ ، هذا اختزال شديد التعسف للمرأة والدين معًا.
ثم إن ظاهرة أخرى أكثر خطورة بدأت تتسع أمام أعيننا ، شباب وفتيات لم تتجاوز أعمار بعضهم الثلاثين ، بل إن بعضهم لم يبلغ الثامنة عشرة ، يطرحون أنفسهم صُنّاع محتوى ، ويقدمون محتوى يقوم في كثير من الأحيان على الابتذال ، وكسر الحواجز الأخلاقية ، وممارسة المعصية أمام الناس على الهواء مباشرة ، وكأن الجرأة على المحرمات فضيلة ، وكأن سقوط الحياء بطولة تستحق الإعجاب ، هنا لا نتحدث عن شخص أخطأ في حياته الخاصة ، نحن أمام صناعة كاملة للمحتوى تقوم على تحويل الخطأ إلى منتج ، والفضيحة إلى مادة للانتشار ، والخصوصية إلى سلعة ، والابتذال إلى مصدر للمال والشهرة ، والأخطر أن كل ذلك يجري تحت عنوان الحرية ، لكن هل الحرية تعني أن أفعل كل ما أريد؟ ، وهل كل ما أستطيع فعله يستحق أن أفعله؟ ، وهل عدد المشاهدات قادر على تحويل القبيح إلى جميل ، والمعصية إلى فضيلة؟ ، الإنسان لا يصبح أكثر حرية كلما تحلل من القيم ، كما أن المجتمع لا يصبح أكثر تقدمًا كلما تراجع فيه الحياء ، كما اسلفت كثير من الظواهر والشواهد التي نراها في السنوات الأخيرة مخيفة إلى درجة الإشفاق ، حين ترى شبابًا وفتيات لم تتجاوز أعمار بعضهم الثلاثين ، بل إن بعضهم لم يبلغ السابعة عشرة ، وقد طرحوا أنفسهم صُنّاع محتوى ، وجعلوا من الابتذال وكسر الحواجز الأخلاقية وممارسة المعصية أمام الناس مادةً للانتشار والشهرة ، فإن الأمر لا ينبغي أن يمر أمام الأسر والمجتمع وكأنه ظاهرة في مرحلة عمرية معينة ، فالأسر مطالبة بأن تكون أكثر قربًا من أبنائها ، وأن تضع ما يقدمونه وما يتابعونه تحت قدر من الرقابة الواعية ، وأن تعلّمهم من العلوم الشرعية والفقهية ما يحصّنهم من الاستلاب الفكري والثقافي ، لأن الفراغ الديني والمعرفي يترك الشاب فريسة سهلة لكل خطاب يقدّم له الانفلات باعتباره حرية ، وكل محتوى يقدّم الانحراف باعتباره شجاعة ، وكل منصة تجعل الشهرة غاية ولو كان ثمنها سقوط القيم ، والأخطر من ذلك أن بعض هذه الظواهر قد لا تكون مجرد اندفاع فردي أو بحث عن الشهرة ، بل قد تتقاطع أحيانًا مع أجندات وحملات منظمة تستهدف منظومة القيم والدين والأسرة ، وهو ما يستوجب وعيًا أكبر من الأسر والمؤسسات التربوية والدينية والمجتمع كله ، لأن حماية الشباب من الاستلاب ليست تضييقًا على حريتهم ، وإنما حماية لقدرتهم على الاختيار الواعي.
هناك فرق هائل بين أن يختار الإنسان قناعاته ، وبين أن يجعل من إسقاط القيم مشروعًا دعائيًا ، وفرق بين أن تقول أنا لا أؤمن بهذا الدين ، وبين أن تقول دينكم تخلف ، ونبيكم أمي ، وإلهكم دموي ، في نظري الأول موقف فكري يمكن مناقشته ، أما الثاني فإساءة لا تصبح محترمة لمجرد أنها قيلت تحت لافتة الحرية ، والغريب أن بعض الذين يعلنون تمردهم على الموروث يقعون في موروث جديد دون أن يشعروا ، موروث الشهرة السريعة ، وموروث الخوارزميات ، وموروث جمع المشاهدات بأي ثمن ، حتى يصبح الإنسان مستعدًا لبيع خصوصيته وكرامته وحدوده الأخلاقية مقابل أرقام تظهر على شاشة هاتفه ، فأي تحرر هذا؟ ، أن أهرب من سلطة المجتمع لأقع تحت سلطة الجمهور؟ ، أن أتحرر من رأي الناس لأصبح أسيرًا لإعجابهم؟ ، أن أرفض أن يحدد الآخرون قيمتي ، ثم أجعل عدد المتابعين والمشاهدات هي من تحددها؟ ، هذه ليست حرية ، هذه صورة أخرى من العبودية ، ولكنها أكثر لمعانًا.
لستُ هنا لأصادر حق أحد في الإيمان أو عدم الإيمان ، ولا لأطالب بإجبار امرأة على ارتداء الحجاب ، لكنني أرفض بشدة أن تتحول الحرية إلى حصانة من النقد ، وأن يصبح الطعن في الدين شجاعة ، والسخرية من النبي صلى الله عليه وسلم تحررًا ، والابتذال تعبيرًا عن الذات ، وكل اعتراض على ذلك تخلفًا ، نحن في حاجة إلى إعادة تعريف الحرية قبل أن يتحول كل قيد أخلاقي إلى عدو ، وكل شهوة إلى حق ، وكل تجاوز إلى بطولة ، فليس كل قديم متخلفًا ، وليس كل جديد متقدمًا ، وليست كل قيمة دينية قيدًا ، كما أن ليست كل رغبة شخصية حقًا مقدسًا ، والإنسان لا يصبح عظيمًا لأنه أسقط كل الحدود من حوله ، بل أحيانًا يكون عظيمًا لأنه امتلك القدرة على أن يضع لنفسه حدودًا ، ثم يحترمها حتى عندما لا يراقبه أحد ، أما أن تصبح المعصية محتوى ، والابتذال تجارة ، والإساءة إلى المقدسات حرية ، فهذه ليست نهضة ، هذا سقوطٌ يجري تسويقه لنا على أنه تحرر.
ولذلك كان لا بد أن أقولها صراحة ، اخلعي الحجاب إن اخترتِ ذلك ، فهو قراركِ ، لكن لا تجعلي خلعكِ للحجاب معركة ضد الإسلام ، واختاري ما شئتِ من القناعات ، لكن لا تتوقعي أن تُهان عقيدة أكثر من مليار مسلم ، ويُسب نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ثم يطلب منهم الصمت بحجة الحرية ، فالحرية التي تطلب مني أن أصمت عن الإساءة إلى مقدساتي ليست حرية ، وإنما محاولة لفرض الصمت على الطرف الآخر ، والغيرة على الدين ليست تخلفًا ، والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس جهلًا ، والتمسك بالقيم ليس بربرية ، وإذا كان ثمن أن أقول ذلك أن يُقال عني متخلفة ، فلا بأس ، فبعض المواقف لا تحتاج إلى تبرير طويل ، يكفي أن يكون وراءها إيمان.. لنا عودة
